Sunday, January 6, 2008
اكّلم ورحرح!
صرخ الدكتور أحمد نظيف في بيانه أمام نواب الشعب خلال الأسبوع الماضي قائلاً إن عدد خطوط المحمول المتداولة في أيدي المصريين وصل إلي ٣٠ مليون خط، وقد أراد كبير المسؤولين بهذه العبارة التعريض بذلك الشعب الذي يدعي الفقر علي حكومته «الغلبانة» كي يبتز أموالها!، في الوقت الذي يرفل فيه أبناؤه في الثراء،
وليست تلك هي المرة الأولي التي يستخدم فيها رئيس الوزراء هذا النوع من الخطاب في مواجهة أي مساءلة عن معاناة الناس نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف الدخول، فقد سبق أن تحدث - في أحد البرامج التليفزيونية - عن تزاحم المصريين علي السوبر ماركتات وخروجهم منها محملين بالأطايب من الطعام والشراب وخلافه، رغم ما يدعونه من فقر ومن حاجة إلي الدعم!.
ويذكرني هذا الأسلوب في تحليل معاناة الملايين من فقراء المصريين بالطريقة التي يتحدث بها بعض الموسرين عن المتسولين.
فما أكثر ما تسمع هؤلاء يقولون في معرض حديثهم عن متسول معين إنه يدعي الفقر رغم أنه يجمع ألوف الجنيهات التي ينفقها علي بناء العمارات واقتناء السيارات وشراء خطوط المحمول، ويبدو أن حكومة الدكتور نظيف تنظر إلي الكثير من رعاياها علي أنهم من هذا النوع أو الصنف!.
وتكشف هذه الطريقة في التفكير عن عدم اقتناع الحكومة بوجود مشاكل معيشية حقيقية تواجه المصريين ونظرتها إلي الناس علي أنهم مجموعة من البشر الذين يحاولون ابتزار الحكومة حتي آخر جنيه في جيبها، رغم ألوف الجنيهات التي ترتع في جيوبهم!،
وعلي الرغم من عدم وجود مشكلات حقيقية تؤرق عليهم ليلهم وتنغص عليهم نهارهم فإنهم لا يملون من الصراخ والشكوي للحكومة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة تفوق طاقتهم وتزيد علي احتمالهم. فالدكتور نظيف يريد أن يؤكد لنا أن المشكلة ليست في الحكومة التي تتاجر علي الشعب، بل في الشعب الذي يتاجر علي الحكومة حتي آخر جنيه في جيبها المفلس لكي يأخذه ويضعه في جيبه العامر.
ومن يرد أن يتأكد من ذلك عليه أن يتذكر هذا الرقم المذهل لعدد خطوط المحمول في مصر والذي استوقف الدكتور مهندس أحمد نظيف وجعله ينظر إلي المصريين علي أنهم شعب غني يمتلك أفراده ٣٠ مليون خط محمول!.
وأتصور أن الرجل نسي أن يستدعي من ذاكرته أو أن يكلف مستشاريه بجمع أرقام أخري عن ظواهر مختلفة تبرهن بنفس الطريقة علي ثراء المصريين مثل عدد أجهزة التليفزيون والثلاجات والغسالات التي تنتشر في بيوت المصريين بالملايين، وقد يتفوق عددها - وأيضاً سعرها - علي مجموع وقيمة ما يمتلكه المصريون من خطوط وأجهزة المحمول.
تلك الأرقام كان من الممكن أن تسعف ذاكرة الدكتور نظيف في ظل عدم اتساعها لتخزين أرقام أخري من عينة حصيلة الضرائب التي تجمعها الحكومة والتي بلغت خلال ثلاثة أشهر فقط (من يوليو حتي سبتمبر ٢٠٠٧) ١٧.٨ مليار جنيه كما جاء علي لسان الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية، وغيرها من الأرقام التي حصلتها الدولة من بيع ما كان يطلق عليه أملاك الشعب من مشروعات القطاع العام، وبيع الأراضي في سيناء والقاهرة الجديدة وغيرها من المدن الأخري لمستثمرين عرب وأجانب، هذه الأراضي التي لم ترثها الحكومة عن أمها وأبيها وإنما هي شرك بين المصريين جميعاً، كل هذه الأرقام وغيرها لم يتذكرها الدكتور نظيف، لكنه تكلم «ورحرح» - أقصد براحته - وهو يشير إلي خطوط المحمول التي تتجول في أيدي المصريين بالملايين.
والأمر الذي يجب أن يفهمه الناس أن بيزنس الموبايلات في مصر يعد فخاً نصبته الحكومة للمواطن بالتعاون مع بعض أحبائها من رجال الأعمال حتي تستنزف آخر نصف جنيه في جيب المواطن. فالدكتور نظيف يعلم أن السلعة الوحيدة التي انخفض سعرها في مصر خلال السنوات الأخيرة هي خطوط المحمول، ويكفي أن نشير إلي أن سعر الخط الشعبي انخفض من ١٢٥٠ جنيهاً عند بداية ظهوره إلي ما لا يزيد علي ثلاثين جنيهاً حالياً، بل من المتوقع أن ينخفض ثمنه أكثر وأكثر، وقد يصبح خلال فترة زمنية قصيرة بالمجان، أو يوزع للأطفال كجوائز داخل أكياس «الشيبسي».
والدكتور نظيف كخبير اتصالات يعلم أن وزارته قد خفضت مؤخراً سعر الخطوط التليفونية الثابتة (المنزلية) لأن القيمة لم تعد للخط، بل أصبحت للمكالمات التي تحصل الدولة وشركات المحمول علي جانب كبير من أموال المصريين من خلالها.
عبارة «اتكلم براحتك» التي تملأ شوارعنا لا تمثل مجرد شعار يرفعه أصحاب بيزنس الموبايلات بشرائحهم المختلفة بل هو شعار ترفعه الحكومة بأكملها، يكفي أن نراجع بيان الدكتور نظيف - الذي ذكر فيه عدد خطوط المحمول في مصر كدليل علي ثراء هذا الشعب - حيث تكلم الرجل براحته، في حين ترك نواب المعارضة يصرخون براحتهم، ونواب الحكومة يصفقون براحتهم، فكله يجب أن «يتكلم براحته»، لأن الكلام أصبح هو المجال الأكبر والمساحة الأكثر اتساعاً للاستثمار وتحقيق الأرباح في مصر، وهو يعكس - كما يذهب الدكتور نظيف وغيره ممن يفكرون بنفس الطريقة - حالة الشعب المصري الغني الذي يريد «الاستنطاع» علي الحكومة.
إنني أتصور أن المسكوت عنه في عبارة الدكتور نظيف حول الثلاثين مليون خط محمول يحمل نوعاً من الإهانة للناس، وسيكون السكوت عليها مهانة أكبر، وأقترح الرد عليها بالسكوت لمدة يوم عن استخدام التليفون، فلو أن الناس امتنعت عن الكلام في التليفونات لمدة يوم واحد لعلمت هذه الحكومة الأدب وأعطت كبيرها درساً في أصول اللياقة عند الحديث عن شعبه.
Saturday, January 5, 2008
اللي ما يعرفش يقول "دعم"
جلال عامر
وعلي الرئاسة دعما رئاسيا فالحقيقة أنه إنفاق عادي اختارت الحكومة منه ما يخص الشعب وأسمته "دعماً" ليعطي إيحاءً بمعني الصدقة أو الإحسان وهذا خطأ سياسي واقتصادي انساق كثيرون وراءه مع الأسف.. وقد أثبتت الحكومة الذكية أنها ذكية فعلاً عندما طرحت الموضوع للمناقشة علي طريقة "كيف نسد عجز الموازنة بإلغاء الإنفاق عليكم".
. لأنها تعلم أن مناقشة الموضوع من باب ترشيد الإنفاق العام قد يدفع البعض للحديث عن المليارات التي تنفق علي الأمن المركزي أو السفه الحكومي أو الإعفاءات أو غير ذلك وأصبح كل جنيه تنفقه الحكومة علي نفسها اسمه إنفاق وكل جنية تنفقه علي الشعب تسميه دعماً ولو كان علي تذكرة سينما أو رصف طريق أو بناء مستشفي أو مدرسة أو محكمة.
. وأصبحت الست "ذكية" حرة تدعم السلطة الفلسطينية ولا تدعم أساسات عمارة لوران.. تدعم "الحراسات" ولا تدعم "الكراسات" فقد ورثت المال العام يوم أن قالت أن الانفاق اسمه "دعم" وصدقها الناس لذلك من حقها أن تمنعه عنا لتوزعه علي أعضاء الحزب الوطني. المربع الذهبيوقفنا ضد بيع فيللا "أم كلثوم" بعد وفاتها فقد كنا نرغب في إقامة متحف لها ثم توصلنا إلي حل وسط مع المستثمر بأن تهدم الفيللا ويقام مكانها برج ثم يخصص السطوح كمتحف لأم كلثوم.. لذلك من الممكن حل مشكلة "الضبعة" بنفس الطريقة نبيعها للمستثمر ويقيم برجاً ضخماً علي أن يخصص السطوح للمحطة النووية.
قال «الفساد للركب».. فضحكوا ونافقوا.. ثم ناموا
كان منظرًا يثير الرثاء والعجب لحالنا ذلك الذي نقله التليفزيون المصري لجلسة مجلس الشعب الموقر، التي ناقش فيها كارثة انهيار عمارة الإسكندرية.. فالذين تكلموا من الأعضاء سواء منهم التابعون لحزب الحكومة أو المعارضون تباروا في اختيار الألفاظ والعبارات الحماسية وفي علو الصوت بكلمة يجب كذا وكذا.. وفي توزيع الاتهامات يمينًا ويسارًا!!
وسبب العجب والرثاء اللذين شعرت بهما وأنا أتابع وقائع هذه الجلسة، هو أنه تداعت إلي مخيلتي وقائع جلسات سابقة للمجلس بعد انهيارات حدثت مرارًا وتكررًا علي مدي السنوات الأخيرة.. تذكرت منها علي وجه الخصوص واقعتي انهيار عمارة بمصر الجديدة وأخري بمدينة نصر، وتخيلت نفس الوجوه المنفعلة والأوداج المنتفخة والأصوات العالية التي لا تلبث أن تهدأ بعد الانتقال إلي جدول الأعمال وإحالة الموضوع إلي لجنة ما لدراسته، إلي أن تتكرر المأساة مرات ومرات!!
الغريب في هذا الشعب المصري أو بصورة أدق من يمثلونه في برلمانه، أن جميعهم يعرف الحقائق كاملة، ويعرف أسباب هذه المآسي المتكررة التي قلما تعرض لها شعب في التاريخ..
وأن ما نعانيه صباح مساء يرجع في المقام الأول إلي حالة التسيب والفساد والانهيار في الإدارات المحلية علي مستوي الجمهورية التي هي جزء من منظومة الحكم المحلي التي تتحكم فيها بيروقراطية عتيقة بدءًا من قمة هرم هذه المنظومة وانتهاء بقاعدتها..
فهذه الإدارات المحلية هي المسؤولة عن إعطاء تراخيص أي شيء أو حجبها عمن تشاء ولا يستطيع كائن من كان، وحتي محافظ الإقليم أن يقلص من نفوذها أو يقلم أظافرها.. وكذلك فإن هؤلاء المحافظين لا رقيب عليهم ولا حسيب طالما يعينه رئيس الجمهورية ويمنحه من سلطاته الكثير، يستخدمها حسب هواه أو مزاجه الشخصي حسب ما يتراءي له أو حسبما يصدر إليه من تعليمات من كبراء لا يستطيع رد طلبهم..
وهكذا انتشر الفساد وساد في أجهزة الحكم المحلي، إلي الدرجة التي جعلت واحدًا من أركان النظام يقول يومًا بالمجلس عبارة عامية عادية عن أن الفساد في المحليات قد وصل إلي الركب!! لم يحدث شيء منذ أن قيلت هذه العبارة تحت قبة المجلس.. فقد ظل المنافقون من مختلف التيارات والاتجاهات يرددونها كأنها قول مأثور، وحكمة لا تبور مثلها مثل قول عامة الناس مثلاً: «سعد باشا قال ما فيش فايدة»!!..
حتي بدا لي أن هذه العبارة التي قيلت تحت قبة المجلس لم تكن أكثر من تقرير شيء علينا أن نقبل به، لأنه لم يعقبها أي رأي أو فكر يدلنا علي كيفية مواجهة هذا الفساد الذي وصل إلي الركب، وحتي لا يصل - كما حدث الآن - إلي الأعناق أو نغرق فيه!! لماذا لم ينتفض المجلس الموقر منذ الكوارث الأولي ليطلب قانونًا جديدًا نظيفًا للحكم المحلي علي وجه السرعة؟ هل تعرفون لماذا؟ لأن السادة الكبار في الحزب الحاكم، لا يريدون انتخابات محلية جديدة هذه الأيام.. والسبب المعلن لتأجيل هذه الانتخابات هو أنهم يريدونها تحت مظلة القانون الجديد..
فلماذا العجلة في إصدار القانون وإحراج الحزب العتيد؟ ثم لماذا يسمحون أصلاً بقيام نظام حكم محلي جديد متكامل يتم اختيار أعضائه من القاعدة إلي القمة بالانتخاب الحر المباشر وتكون لهم وعليهم سلطات رقابية حازمة وفعالة، والشعب المصري ينسي كوارثه ويسهل خداعه ببضع كلمات، وكل ما يفعله أن يقف بعض ممن اختيروا لتمثيله في المجلس الموقر «يبعبعون» ويمثلون علي الناس؟!
فلا بأس من بضع كلمات يقولها ممثل الحكومة، يترحم فيها علي الضحايا بأسي مصطنع، ويبشرهم بأن حكومته السنية سوف تضرب بيد من حديد علي كذا.. وكذا؟! سنوات وسنوات وكل شيء كما هو في هذا المستنقع الآسن من الفساد.. والضحايا يتزايدون.. ولا نري ضربًا أو يدًا من حديد أو حرير.. كأنما شُلت أيديهم.. فبئس ما يأفكون!!
Friday, December 21, 2007
ببساطة
* كلما زادت الأصفار علي يمين بعض القيادات تزداد قيمتهم, لأن الأصفار أمام الواحد تضاعف قيمته.
* أسقط موظفو الضرائب العقارية للأبد فلسفة اللامركزية.
* لم نسمع يوما عن ناشط إسرائيلي ذهب يشكو إدارته للبيت الأبيض وعاد لكي تحتفي به المعارضة.
* النظام الرشيد هو الذي يناقش الحلول الجماعية, ولا ينشط في الحلول الفردية لأنها رشوة رسمية ورخصة بالتظاهر.
* لم يعد أمام الفقراء سوي بيع لحمهم لحين ميسرة.
* في كل دول العالم الحزب الذي لاينجح له عضو في الانتخابات يحل نفسه أو يتم الغاؤه, ولو تم تطبيق هذه القاعدة في مصر ستعود مرة أخري صيغة الاتحاد الاشتراكي.
Saturday, December 15, 2007
عجبى


Tuesday, December 11, 2007
صورة للشعب التعبان تحت الراية المكسورة!
د أجزم أن 99 في المائة علي الأقل من المصريين لم يكونوا يعرفون، قبل أسبوع واحد، أن في القاهرة شارع اسمه حسين حجازي، كما أن النسبة نفسها (أو أكثر) منهم لم يسمعوا أبداً، حتي أسابيع خلت، عن قضية موظفي الضرائب العقارية ومطالبهم ومعاناتهم. بل ربما عزيزي القارئ لو ذهبت معي في الصراحة إلي أبعد من ذلك فسوف تشاركني اليقين أن أغلبية كبيرة من سكان هذا البلد كانت تجهل أصلاً أن هناك شيئاً يسمي "الضرائب العقارية" إما لأنهم غير معنيون بالموضوع باعتبارهم ليسوا من ملاك العقارات ولا غيرها، أو لأن الاسم الشائع لهذه الضريبة هو "العوائد" وليس الضرائب.
لكنك تقرأ الآن هذه السطور بينما شارع حسين حجازي صار يسبح في شهرة شارع الشانزليزيه الباريسي بعدما افترش رصيفه بضعة آلاف من موظفي الضرائب العقارية احتجاجاً علي تجاهل الحكومة (منذ عقود طويلة) مطالبهم العادلة التي إذا تحققت كلها فلن تتلون حياتهم باللون البمبي وإنما قد يبتعدون قليلاً عن حافة الموت جوعاً وسيبقون يصارعون مع غالبية الشعب المصري صعوبة الحياة وقسوتها تحت وطأة البؤس والفقر والعدم.
إذن.. نجح مواطنون (رجال ونساء وأطفال) منسيون اعتصموا بالعراء وصمدوا أمام البرد والزمهرير في شارع منسي أن يدخلوا بقضيتهم دائرة الضوء والاهتمام الإعلامي الذي لا يقترب عادة من أمثالهم إلا في مناسبات أو مهرجانات الموت والإبادة الجماعية من نوع مقتلة "العبَّارة" أو محرقة "قطار الصعيد" وخلافه. وأعترف بأنني أكتب في الموضوع بعدما شبع تعليقات تناولت كل أبعاده وتفاصيله ودلالاتها ابتداء مما يشي به هذا التحرك الغاضب من مواطنين فاض بهم الكيل والمعاناة لدرجة دفعتهم للتصرف عكس طبيعتهم المستكينة المستنيمة التي تخاصم التمرد، وانتهاء بالاجتهاد في رصد دلالات انفجار غضب هذا النوع من المواطنين وما يحمله من إشارة قوية علي أن ثمة نذر تتجمع في الأفق وتبشر بنهاية سوداء لسياسات اقتصادية واجتماعية جاهلة وفاسدة ورعناء طالت بنتائجها الكارثية أغلب طبقات وفئات المجتمع ووضعته علي شفير بركان مدمر.
غير أنني التقطت من لوحة وقائع إضراب واعتصام موظفو الضرائب العقارية واقعة إصرار الحكومة علي استخدام جحافل الأمن والمباحث لزحزحة المحتجين وإبعادهم من شارع مجلس الشعب حيث يتجاور مقر الحكومة ومقر مجلسها الذي ينسب نفسه للشعب زوراً وبهتاناً، ودفعهم بالقوة إلي شارع حسين حجازي الذي يبعد أمتاراً قليلة عن المقرين لكنها كافية لئلا تقع عيون الحكومة الكحيلة علي هؤلاء المواطنون الفقراء.
أعرف أن هناك تفسيرات جاهزة ومشهورة لهذا الإصرار الحكومي علي منع تواجد المصريين عموماً وأغلبيتهم الفقيرة بالذات في مرمي بصر أهل الحكم، ومنها الحفاظ علي صورة البلد كما ترسمها تصريحات كبار المسئولين، أي مجتمع ينعم بالاستقرار والاستمرار (أكثر من 62 عاماً حتي الآن) ويرفل سكانه في نعيم الرخاء والنماء والهناء، فضلاً عن حكمة الرئيس حسني مبارك التي صارت هدفاً لحقد وحسد الحاسدين في أركان الدنيا الأربعة. لكن هذا التفسير وغيره من التعليلات الكسلانة التي تستسهل "التحسيس" علي ظاهر الوقائع والحوادث دون تجشم مشقة الغوص في عمقها لم تعد قادرة علي إقناعي، لذلك اجتهدت في التنقيب عن سر استماتة الحكومة ومباحثها في إبعاد المواطنين المعتصمين من شارع مجلس الشعب إلي شارع حسين حجازي بحيث تحجب المباني الفاصلة بين الشارعين المتوازيين تماماً منظرهم الذي يصعب علي الكافر عن عيون الداخلين والخارجين من وإلي مقر الحكومة ومجلسها الموقر.
وبعد تفكير وتمحيص اكتشفت أن السر كله يرقد في شعار "ضرورة مراعاة" البعد الاجتماعي الذي لطالما استخففنا به وتندرنا واتريقنا علي المسئولين الكبار قوي وهم يلوكونه في أفواههم كاللبانة. ولأن هؤلاء المسئولون القاعدون حالياً علي قمة هرم الحكم في البلاد أصبحوا (بحكم المنشأ والأصل) نوعين وليس نوعاً واحداً كما أيام زمان، فإن لكل منهم مفهومه الخاص لحكاية البعد الاجتماعي وتطبيقاتها، فرغم أن كليهما يفهم هذا "البعد" علي أنه عكس "القرب"، أي "إبعاد" للشعب عن المنطقة كلما كان ذلك ممكناً، إلا أن دوافع الفريقين للحرص علي هذا الإبعاد مختلفة، فبينما يري فريق الديناصورات القديمة أن إبعاد الشعب عن خلقتهم أمر ضروري لاعتبارات صحية بحتة علي أساس أن وجوده أمامهم يذكرهم بجريمتهم، فإن فريق أطفال الأنابيب من المليونيرات والمليارديرات زملاء وأصدقاء وتوابع الأستاذ جمال مبارك يعتبرون حضور الشعب في المشهد أمر يتناقض مع "الفكر الجديد" ويؤثر سلباً علي السياحة والاستثمار الأجنبي، والأخطر أن ظهور أي واحد من سكان البلد الأصليين يشوش علي الصورة الذهنية البلاستيكية للمصريين التي تظهر واضحة في ملصقات دعاية الحزب الحاكم ويبدو فيها العامل والفلاح والطالب والموظف والمرأة (بنوعيها المحجب والسافر) جميعهم مواطنون صالحون مستوردون للتو من ألمانيا، لهذا تجد- سيادتك- أمارات السعادة تمرح وتسبح دائماً علي وجوههم بدون مناسبة!
الشفقة
ولفت نظري أن الحكومة السعودية حظرت النسخة العربية لمجلة فوربس، بسبب مقال اقتطع من قائمة فوربس واقتصر علي الحديث عن ثروة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز و 6حكام عرب آخرين بلغ مجموع ثرواتهم حسب قائمة فوربس 60 مليار دولار ، ضمت قائمة الحكام العرب الأغني كلا من الشيخ خليفة بن زايد رئيس الإمارات والذي قدرت ثروته 21 مليار دولار، بالإضافة إلي العاهل السعودي الذي بلغت ثروته 19 مليار دولار، وكذلك الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي الذي بلغت ثروته 16 مليار دولار، وفي ذيل القائمة جاء العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي لم تتعد ثروته ملياري دولار باعتبار أنه مستجد في الحكم، وذكرت المجلة أن ثروة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة وقفت عند مليار دولار، وجاء في أسفل ذيل القائمة كلا من الشيخ صباح جابر الأحمد الصباح أمير الكويت والسلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان اللذين لم تتعد ثروة كل منهما حاجز الخمسمائة مليون دولار.
وطبعا لست في وارد حفلة نق وحسد علي أصحاب المليارات من الحكام العرب، خاصة وأن هناك مواطنين عرب تبلغ ثرواتهم أرقاما أكبر من تلك التي يمتلكها الكثير من الحكام العرب، بل لعلني أجد نفسي مدفوعاً بالشفقة علي إخواننا من الحكام الذين لم تبلغ ثروة أحدهم أكثر من مليار دولار، وربما يغفر لي إخواني من المواطنين إذا تبنيت دعوة الشعوب العربية لعمل حملة تبرعات سخية لجمع الدولارات التي تكفي لكي يتساوي الحكام العرب في الثروة، فلا يصح أن يكون هناك حاكم يملك أكثر من عشرين مليار دولار في الوقت الذي لا يجد حاكم آخر زميل له في القمة العربية ويحضر إلي جانبه في المؤتمرات العربية ولم تبلغ ثروته إلا 500 مليون دولار فقط، ولا يجوز أن يكون هناك مواطن عربي يملك ثروة أكبر مما يملكه الحاكم، وهي سبة في وجه الحكام جميعا، بل هي تفرقة لا تجوز بين حكام العرب الذين يجب أن يتضامنوا من أجل ألا يكون هناك حاكم بمثل هذا الفقر المدقع،.!!
وأرجوك لا تحاول أن تغرق في التفكير في هذه الأرقام الكبيرة التي يملكها بعض حكامنا العرب، ولا تشغل بالك بتحويل قيمتها إلي العملة المحلية لأنك يمكن أن تدوخ وتقع من طولك، لو حسبت أن احدهم يملك ما يوازي 150 مليار جنيه مصري علي سبيل المثال.!! وأرجوك لا تحاول أن تجمع ثروات الملوك والأمراء والرؤساء الست المذكورين والتي تبلغ أكثر من ستين مليار دولار لأنك ستجدها تساوي ميزانيات كلا من مصر والمغرب وتونس والأردن علي البيعة، كما أرجوك ألا تحاول أن تجمع ثروة حاكمين من أصحاب المليارات الكثيرة لأنك ستجدها تساوي ميزانية بلد مثل مصر، ومعني هذا أنك ستكتشف أن ثروة شخصين تساوي ميزانية بلد يقترب عدد مواطنيه من ثمانين مليون نسمة.!!!!
ولا أنصحك بأن تفكر فيما إذا كان حكام العرب من أصحاب المليارات يخرجون زكاة أموالهم ويضعونها في مصارفها الشرعية لأنهم لو كانوا يفعلون لأفاضوا علي شعوبهم خيراً كثيراً، وأرجوك حاول أن تنسي هذا الفقر المنتشر في عالم العرب وفي العالم الإسلامي، ولا تحاول أن تتذكر الجوعي في الصومال ولا المحاصرين في فلسطين، ولا المشردين في ربوع العالم من المسلمين، واعلم أن عين ابن آدم لا يملؤها غير التراب، وغداً يملأ التراب أعينهم جميعاً، ولا تنس أن الأرقام المذكورة تناولت فقط ستة من حكام العرب، وما خفي كان أعظم.!!
نصدَّق مين؟
الرئيس مبارك في لشبونة يقول: إنه لا أساس لكل ما تردد حول إلغاء الدعم أو التخلي عنه، وأنه لا زيادة في أسعار الخبز أو الطاقة، وأن الدعم مستمر لأن الفقراء يستفيدون منه، هذا كلام الرئيس الذي قاله لطاقم رؤساء تحرير الصحف الحكومية الذين رافقوه في رحلته إلي اليونان التي لا يعرف أحد في مصر لماذا ذهب إليها حتي الآن؟ أما كلام رئيس الوزراء فهو شيء آخر.. يقول نظيف: "إن دعم سلعة كالبنزين لا يخدم سوي 5% من الأسر المصرية" وطبعاً المعني مفهوم وهو أن نسبة الـ5% هذه نسبة ضئيلة للغاية ويمكن معها إلغاء الدعم عن البنزين.
ويكمل نظيف: "إن أزمة الثقة بين الشعب والحكومة سببها أن الشعب لديه طموحات زائدة وتاريخياً توجد أزمة ثقة بين الشعوب والحكومات" وإلي هنا وأنا شخصياً أعترف بعبقرية وحكمة واستنارة عقل رئيس الوزراء فتاريخياً توجد طبعاً أزمة ثقة بين الشعوب والحكومات خاصة الحكومات التي تكذب طوال الوقت والشعوب التي لا تريد إلا الستر وأن تمشي بجوار الحيط، أما حكاية أن الشعب لديه طموحات زائدة فهذه العبارة هي بالذات عين عقل السيد نظيف، طبعاً نحن شعب لديه طموحات في أن يأكل رغيفاً بخمسة قروش ويركب مترو الأنفاق أو الميكروباص أو التاكسي ويذهب أبناؤه إلي المدارس، ويشعلوا الدفاية شعلة واحدة في الشتاء ومروحة اشتروها بالتقسيط في الصيف، كل هذه طموحات زائدة وكان علي الشعب أن يحمد ربنا ويبوس إيد نظيف وش وضهر علي انه تركه يعيش في هذه (الهلمة).
المهم الرئيس قال: لا أساس ولا مساس، ونظيف قال فيه أساس وفيه مساس! السؤال: نصدق من؟ الرئيس أضاف: ان الهدف من إثارة قضية الدعم هو إقامة حوار عام وشعبي للبحث في أفضل السبل لوصول الدعم إلي مستحقيه الحقيقيين، وأن جملة الإنفاق علي الدعم المباشر وغير المباشر تقترب من 001 مليار، وأنه لا تغيير في النظام الحالي إلا بعد أن يقول الناس رأيهم.. الحكاية شكلها (لخبط)، ولكن يبدو أن الكلام واحد.. فإذا كان الدعم لا يصل إلي مستحقيه فلا مانع أن نصبر عاماً أو أكثر، الناس تتحاور فيه والصحافة تكتب، وإذا كان جملة الإنفاق 001 مليار فلا مانع أن تستقطع 99 ملياراً منها خصوصاً مع وجود يوسف بطرس،
وإذا كان الهدف هو إقامة حوار عام وشعبي مع أن الناس لا تثق في الحكومة وأن طموحاتهم زائدة، تبقي النتيجة واحدة أن الشعب يتكلم شوية والدعم مع السلامة شوية بشوية.
حكاية اليابان مع مصر
يدهشك اليابانيون بمدي تأملهم لبطاقة التعريف "الكارت" المطبوع عليه اسمك حين تقدمه لهم. وتهجم عليك تساؤلات كثيرة، تبدأ من "ماذا يقرأون في حروف لم يتعلموا لغتها ؟ ، وتنتهي بتساؤل ساخر ضاحك "تري هل يقومون بقراءة تعاويذ تضمن لهم رضوخك لافكارهم ؟. واخيرا عرفت انهم يتصرفون هكذا كي يختبروا مشاعرهم تجاه درجة صدقك ومدي دقتك في الكلام معهم.فهم لايعولون كثيرا علي ذكاء الفرد، قدر ما يستخلصون من كلماتك مدي قدرتك علي التعاون مع غيرك من البشر المحيطين بك.
قال لي شيروناكاتا سكرتير اتحاد الاديان الياباني ذات مرة"انتم اكثر ذكاء، و اكثر خفة دم، ولكن ينقصكم دائما التعاون معا وخبرة العمل الجماعي، فانتم لاتحبون هذا النوع من العمل الجماعي". ورددت عليه بسؤال رغبة في الهرب من المأزق الذي وضعني فيه "ولكن لماذا تتبعون انتم كلمات الكبار في العمر منكم فوق كل اعتبار؟ اليس هذا هربا من التعاون معا، وتملص من خبرة العمل الجماعي؟" اجابني الرجل "لعلك لا تلحظ ان الكبير في العمر عندنا لايتكلم إلا اخيرا، بعد ان يكون قد استمع إلي كل من يبدون رأيهم، وهذا منطق قادة الحروب الذين يرغبون في صيانة حياة المقاتلين، ولما كانت اليابان فد وضعت حدا لفكرة المشاركة في اي حرب بعد سقوط القنابل الذرية علي هيروشيما وناجازاكي، لذلك انتقلت خبرة صيانة الحياة من ميادين القتال إلي الحياة اليومية، وكانت تلك هي اكبر مكاسب الهزيمة في الحرب، وهي ان يسمع الكبير في العمر والمقام من هم اصغر منه ويتصرف علي ضوء ما يقدمه الصغار من آراء، فآراء الصغار طازجة وجريئة، وان كانت تنقصها الخبرة، ومن المهم ان تمتزج الشجاعة والطزاجة والجراءة مع الخبرة، ولذلك تتقدم اليابان في الستين عاما التي تلت الحرب العالمية الثانية فوق خيال اي احد، فهم لايلقون بقديمهم من حالق، ولايحتقرون جديدهم بدعوي التمرد.
وكلما قرأت عن اليابان خبرا، فانا استعيد علي الفور رحلة التأمل في اي بطاقة تعريف يقدمها الشخص لأي ياباني، وعليه ان ينتبه وهو يري كيف يسمعه الياباني فهو يفتش في كلماته عن مدي قدرته علي التعاون مع غيره، وتلك بديهيات التقدم.
نسيت ان اذكر ان اليابان هي اول بلد في الكون انشأ اتحادا للأديان، ولا يناقشون في هذا الاتحاد الخلافات بين الاديان، ولكنهم يناقشون ماذا يمكن ان تقدم الاديان جميعها لخدمة اليابانيين كلهم، لان اليابان فوق الجميع.
ديون رئيس جمهورية؟!
قابلت مو إبراهيم في منزل الدكتور أحمد العزبي. كان قد جاء مع صديقه شاعر العامية الكبير سيد حجاب.
وعندما استغربت إسم مو. قال لي سيد أن اسمه محمد. ولكنه ينطق في الغرب من باب التبسيط: مو. لفت نظري فيه أنه إنسان متفائل. يتكلم بأكبر قدر من التفاؤل وينظر للأمور في عالمنا العربي. وفي بلدي مصر. وفي بلده السودان. بنفس التفاؤل. والمتفائل الآن إما أنه يري ما لا نراه ويدرك ما لا ندركه.
أو أنه أغمض عينيه نهائياً عن آلام البشر. وقرر التعامل معها بطريقة رومانسية. أو أنه لا يسمع ولا يري ما يحل بالناس من حوله. وأنا لا أتهم مو بأي اتهام من الاتهامات السابقة. ولكني أتعامل مع التفاؤل بطريقتي الخاصة. كان عليّ سفر في فجر الغد. مع أنه لم يتركنا قبل الثانية فجراً.
قال إنه تشغله مؤسسته الخيرية. وتقوم فكرتها بكل بساطة علي منح أي رئيس أفريقي من دول جنوب الصحراء. يترك السلطة من تلقاء نفسه. وبدون أي ضغط من الضغوط ويكون منتخباً انتخاباً حراً لا شبهة فيه. خمسة ملايين دولار أمريكي. علاوة علي مبلغ 300 ألف دولار تصرف له كل سنة. سألته.
وما الهدف من وراء المشروع؟ قال لي لو عرفت إسم المؤسسة كله لأدركت الهدف. المؤسسة اسمها بالكامل: مؤسسة مو إبراهيم للحكم الرشيد. ومن رشد الحكم ألا يصبح الحكم أبدياً. فأبدية الحاكم في الحكم هي التي تفتح الباب للكثير من المفاسد والاستبداد والمظالم.
قال أيضاً أن كوفيعنان سيكون رئيس لجنة التحكيم. وأنه من باب البعاد عن الوطن العربي بكل ما فيه. فإن لندن هي المكان المختار لمؤسسته. ثم سافر مو إبراهيم. ولم يبق منه سوي ما يقوله لي عنه سيد حجاب - معرفتنا المشتركة - في لقاءاتنا التي تصنعها الصدفة. خلال هذه الفترة. وقبيل إعلان الجائزة قال لي المثقف علي أبو شادي. أمين عام المجلس الأعلي للثقافة. أراهنك أن الجائزة ستذهب لسوار الذهب.
الرئيس السوداني. وعندما سألته عن السبب. قال لي جملة من الأسباب. أولها أن مو سوداني. قلت له أعرف ذلك. وأنه من الطبيعي أن ينتصر لسودانيته. ثم أن سوار الذهب ترك الحكم في السودان بناء علي رغبته الشخصية. وأنه لم يتعرض لأي ضغوط. حتي يترك الحكم.
إلي أن قابلت مو إبراهيم - بالصدفة أيضاً - في برقاش. في عزبة الأستاذ هيكل. خلال الاحتفال الذي أقامة لوداع سفير بريطانيا في مصر. بعد انتهاء فترة عمله المصرية. بناء علي رغبته الشخصية.
كان مو قد جاء إلي مصر لتسليم الجائزة الأولي عرفته علي عبد الرحمن الأبنودي. وقال لي أنه يدعوني للمشاركة بحضور الاحتفال بتسليم الجائزة. قلت له متأثراً بالحوار الذي دار مع علي أبو شادي قبل فترة. وحصل عليها سوار الذهب؟! وقبل أن أجيب عاجلته بالملاحظة التي قد تربكه كثيراً عندما قلت له أنه لم ينس سودانيته وانتصر لسوار الذهب.
قال لي: وهل جاء سوار الذهب للحكم عبر انتخابات حرة؟ ثم أكمل. لقد تسرعت في الحكم. مثل كل المثقفين العرب. والجائزة ذهبت للرئيس الموزمبيقي شيسانو الذي رفض الترشيح لولاية ثالثة رغم أن دستور بلاده يتيح له ذلك.
وقد جاء للحكم منتخباً. انتخاباً حراً فيه أقدر قدر من الشفافية. فضلاً عن الإصلاحات الديمقراطية التي قام بها في بلاده. لقد تسلم بلداً مزقتها الحروب الأهلية. والصراعات.
وترك بلداً مستقراً. وهذا يؤكد أركان الديمقراطية الرشيدة في موزمبيق وفي القارة كلها. سألته عن لجنة التحكيم التي قررت هذا. مجموعة ممن لديهم خبرات ومعرفة بأفريقيا. كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة.
ومارتي أهتيساري رئيس فنلندا السابق. وإيشاباه ديالو وزير تربية غينيا السابق. ونجوزي أوكونجو أوبالا وزير خارجية ومالية نيجيرا السابق. وميري روبنسون رئيسة أيرلندا السابقة.
وسليم سليم رئيس وزراء تنزانيا السابق. والأمين العام السابق لمنظمة الوحدة الأفريقية. والأخير هذا نعرفه بإسم أحمد سالم. بعد قليل عرفت أن الملايين الخمسة ستصرف للرئيس الفائز علي مدي عشر سنوات وأن المعاش السنوي سيكون 200 ألف دولار وليس 300.
لم تمكنني ظروفي الخاصة من الذهاب إلي الإسكندرية لحضور احتفال تسليم الجائزة والحفل الذي أقيم بعد ذلك. وقد جري هذا في مكتبة الإسكندرية. حيث حرص الطرفان مو والمكتبة.
علي القول أن المكتبة مجرد مكان لتسليم الجوائز والحفل. ولا علاقة لها بمحتوي الحكاية. عرفت بعد حكاية جائزة مو إبراهيم. صدرت تعليمات لمؤسسات الدولة بعدم توجيه دعوات لرؤساء سابقين لزيارة مصر. ما لم يتم الرجوع للجهات السيادية العليا قبل ذلك.
أخطر ما في قضية الجائزة ما قاله رئيس موزمبيق السابق. جواكيم شيسانو حيث أعلن في الإسكندرية. أنه سيقوم بتسديد ديونه من المبلغ الذي سيحصل عليه. وبعد تسديد الديون لا يعرف كيف سيتصرف.
في الباقي. ربما يسأل بعض أصدقائه من المصرفيين ورجال المال عن طريقة الاستثمار. مما يدر عليه عائداً هو في أمس الحاجة إليه. هذا الكلام لابد وأن يلحقه عدد هائل ومهول من علامات الاستفهام.
وحيث أننا لا نعرف في هذا الجزء من العالم رئيساً سابقاً أو أسبق. أيضاً نحن لم نعرف أبداً الرئيس المديون. الذي يسدد ديونه بعد تركه الحكم. ولولا صدفة هذه الجائزة ما تمكن من تسديد هذه الديون.
ملوك الطلصأة
يا سيادة الوزير.. خدعوك فقالوا كل شيء تمام.. كل شيء علي ما يرام.. والحقيقة غير ذلك.. عشرات الملايين، التي أنفقت علي ترميم القاهرة الفاطمية ضاعت في دهانات وترميمات من علي الوش وفي الداخل كوارث محققة.. المياه الجوفية أكلت الأساسات..
والحجارة باشت يا سيدي.. كله من فوق الوش، كما تفعل الزوجة الكسولة في تنظيف المنزل علي عجل، خوفًا من زوجها الذي تسمع وقع أقدامه علي درجات السلم.. تكنس البيت في كروتة شديدة وتضع الكناسة تحت أقرب سجادة وبعدين يحلها الحلال..
نفس المنطق في منطقة القاهرة الفاطمية وشارع المعز ومجموعة السلطان قلاوون وبيت القاضي والسلطان برقوق وخلافه.. لوحة جميلة من الخارج وترميمات خارجية للشروخ ولكن ما خفي كان أعظم.. أنا رأيت بعيني أحد المهندسين يجس حجارة أساس أحد البيوت الأثرية بذراع نظارته الطبية..
مرة أخري بذراع نظارته الطبية.. فيحدث حفرة وتخرج كلكوعة صغيرة من الحجر الجيري يفركها بين أصابعه بسهولة جدًا.. هل ستصمد هذه الأبنية أمام الرطوبة والتصدعات؟!.. كم من الزمن يمكنها أن تقاوم الانهيار؟.. المهندس الخبير قال لي لو صمدت عشرين سنة تبقي معجزة.. هل هذا كلام؟!..
ميزانيات تتجاوز المائتي مليون جنيه تعجز عن حل هذه المشكلة.. لو قام السيد فاروق حسني بزيارة مفاجئة مع مجموعة خبراء في الهندسة المعمارية والإنشائية وقاموا بعمل مجسات للأساسات واختبارات لقدرة ومتانة حجارة هذه القواعد لاكتشف المصيبة.. بل إنه لا يحتاج إلي جيش من المهندسين.. المسألة واضحة للعيان بمجرد النظر.. الرطوبة والرشح وصلا إلي ارتفاعات الأبنية الأثرية.. وزارة الثقافة استعانت بشركة إيطالية لإنارة شارع المعز والأبنية من الخارج والإضاءة في الأرضية بجوار الأرصفة.. ولا توجد أعمدة ولا لمبات تعلق خارج المحال والدكاكين والبيوت القديمة..
رائع.. ولكن هذه الإضاءة سوف تساهم في تحلية المواقع الأثرية وإضافة حالة من الغموض عليها.. إضاءة خافتة غير مباشرة وبالتالي ستظل الشروخ تتزايد والرشح يتصاعد للأعلي دون أن ننتبه.. إن مشروع تحويل القاهرة الفاطمية إلي متحف مفتوح، مشروع رائع يستحق منا جميعًا أن نتحقق من مواصفات الجودة في إعادة الأحياء والتجميل وقبل كل شيء.. أساسات وأعمدة المباني والهياكل والكتل الحجرية ومخاطر المياه الجوفية.. الكارثة الكبري أن يتحول الأمر إلي عمليات تجميل خارجية وديكورات والأساس «مخوخ»..
عندنا عاهة مصرية اسمها «الطلصأة» اذهب إلي ميكانيكي سيقول لك «العربية» سوف تفتح بطنها.. نصيحتي تلم الموضوع وتقضي بها المشوار.. وبعدين يحلها الحلال.. ثقافة المسكنات والزواق الخارجي لا تصلح مع المشروعات القومية الطموح.. الثروة الأثرية والتاريخية في القاهرة الفاطمية مهددة بالفناء والانهيار..
أدخل إلي المنطقة من أي ناحية.. من الأزهر أو باب زويلة أو بوابة المتولي أو من الناحية الأخري.. من باب النصر أو باب الفتوح وتأمل الوكالات والتكايا والأسبلة المهجورة والمدفونة بين العشوائيات.. الجوامع الأثرية تحف معمارية مخربة إلا قليلا..
ولا يعقل أن ننتظر إمدادات مالية من الطرق الصوفية والإسماعيلية لتجديد هذه المساجد وتبليطها بالرخام، ثم إعلانها محمية دينية مثل جامع الحاكم بأمر الله، الذي أصبح في يد جماعة البهرة الهنود.. إنني أدعو وزارة الثقافة لتشكيل مجلس أمناء لمشروع القاهرة الفاطمية يضم نخبة من الأثريين والمعماريين والمهندسين والمفكرين ورجال الاقتصاد والأعمال والعلماء،
لوضع تصورات مستقبلية طموح لهذه المنطقة ويساهم في توفير الموارد المالية ومراقبة عمليات التنفيذ.. إن السكوت علي ظاهرة «الطلصأة» في منطقة الجمالية جريمة بكل المقاييس.. ولن أزيد.
وسائل النقل الجماعي لا السيارة
منذ سنوات ووسائل الإعلام تكرس لدي المصريين أفضلية من يقود السيارة، حتي صار يدعي لدي الآخرين الباشا، صار حلم امتلاك السيارة يداعب خيال الجميع، لكن لم يدرك أحد أن السيارة لها سلبياتها، سواء البيئية أو الاقتصادية، أو حتي علي ازدحام المدن.
كم يبلغ قيمة ما تستورده مصر سنوياً من سيارات وقطع غيارها، لاشك أن هذه المبالغ تمثل كارثة علي الاقتصاد القومي، بل حتي علي التوازن بين مصر والعديد من الدول في مجال الاستيراد والتصدير، بل إن السيارة صارت رمزاً للأنانية لدي الكثيرين، وتسعي أسر كثيرة في مصر نحو امتلاك سيارة، نتيجة لكونها أداة النقل الوحيدة المتيسرة، والتي تتيح لها الحركة داخل المدينة أو بين المدن المصرية بسهولة ويسر.
لذا فقد باتت هناك حاجة ملحة، نحو رسم استراتيجية وطنية مصرية للنقل الجماعي، الذي يعد صديقاً للبيئة، داعماً لسياسة توفير الوقود علي المستوي الوطني، الذي كثيراً ما دعت الدولة إلي رفع الدعم عنه، لذا فأول خطوة يجب اتباعها في هذا المجال تبدأ من القاهرة بسرعة إنجاز عدد ٨ خطوط مترو، أي خمسة، بالإضافة إلي الخطين الحاليين والثالث القادم، وإتاحة مسارات تكون فيها الأفضلية لوسائل النقل الجماعي.
في أكسفورد، تري أستاذاً جامعياً له مكانته يذهب إلي عمله بدراجة هوائية. في مصر استخدام الدراجة كوسيلة انتقال، يعد عيباً اجتماعياً، ولتبديد هذا العيب يجب إلغاء تخصيص سيارات لمدراء العموم في الدولة، وهو ما سيوفر آلاف، بل ملايين الجنيهات، كما أن مدينة كالإسكندرية لاتزال بها وسائل النقل العام، دون المستوي، فالترام يجب أن تتحول خطوطه إلي القطار المحمول فائق السرعة ذي القضبان الممغنطة، وهو سيتيح اتساعاً أكبر لشوارع المدينة،
كما يجب الإسراع في خط المترو من أبوقير إلي محطة مصر، بدلاً من القطار المتهالك، كما أن خطوط الأتوبيسات لا تغطي المدينة بصورة ملحوظة، بل لم تحدث إضافات تذكر لها منذ سنوات، بل إنك تعجب حين تكتشف أنه لا توجد خطوط من جميع أنحاء المدينة إلي المجمع النظري، ومكتبة الإسكندرية في الشاطبي، حيث من المفترض أن حركة مليون ونصف المليون راكب يومياً من هذه المنطقة، تتطلب أن تكون بداية ونهاية أتوبيسات النقل العام بصورة مكثفة.
إن الاتجاه نحو استخدام وسائل النقل العام في كل أنحاء العالم، أمر يؤذن بتقلص دور السيارة كوسيلة انتقال، خاصة لكلفتها، سواء علي ميزانية أي أسرة أو حتي علي الدخل القومي لأي بلد، ونحن لسنا أكثر ثراءً في مصر من بريطانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو ماليزيا، التي اتجهت لسياسات تشجيع النقل العام علي حساب السيارات الخاصة، فمتي تكون هناك في مصر سياسة استراتيجية تحترم الإنسان، وتشجعه علي استخدام وسائل نقل عام آدمية.. مريحة.. سريعة.. آمنة متنوعة.. منضبطة.. أحلم بيوم لا أقود فيه سيارتي وأقرأ كتاباً وأنا في طريقي للعمل.
حلاوة شمسنا
حلاوة شمسنا وهي تنتقل عبر كابلات تمر تحت سطح البحر المتوسط لتصل إلي معظم أنحاء القارة الأوروبية، أما كيف ستتولد تلك الطاقة الشمسية فالإجابة أنه سيتم بناء محطات عملاقة مزودة بمرايا ضخمة في المناطق الصحراوية المقابلة لشواطئ البحر المتوسط في مصر، وفي دول أفريقيا والشرق الأوسط تولد الطاقة الكهربائية التي يتم نقلها.. إلي أين؟ إلي دول أوروبا حيث تكفي سدس احتياجاتها من الطاقة. ومن سيقيم هذه المولدات؟ أوروبا بالطبع ومقدر لها أن تتكلف عشرة مليارات دولار أمريكي لعدد مائة مولد.
وأين نحن من هذه العملية؟ واضح أننا سنساهم فقط بالشمس، وهو مجهود يفوق الطاقة، وقد يحتاج الأمر إلي الحصول علي موافقتنا علي تأجير جزء من أراضينا أو بيعه، حيث إننا نفضل البيع حاليا، لإقامة المولدات ومد الكابلات حتي تنعم أوروبا بالدفء والحرارة والكهرباء وتستطيع تشغيل محطات تحلية المياه بكفاءة أكبر. ومن قرر ذلك؟ قررته دراسة علمية نشرتها صحيفة الأوبزرفر البريطانية، وأسندتها إلي الاتحاد الأوروبي الذي يبدو أنه درس وخطط وقرر وقدر التكلفة.
ولا غبار علي الذين يدرسون ويفكرون ويتطلعون إلي المستقبل حتي ولو كان ما يفكرون فيه يرتبط بشمسنا نحن، لكن السؤال هنا إذا كانت شمسنا بهذه الوفرة وبهذه القدرة فلم لا تكون لنا؟ وإذا كنا لا ننعم بوفرة البترول كدول الخليج، ومع اقتراب نفاد الغاز الذي يذهب إلي الأردن وإسرائيل وإسبانيا بتراب الفلوس، ولا نعتمد علي مصادر بديلة للطاقة، ومازلنا في طور التفكير في استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية ونعلم- ومن زمان- أنه يمكننا أن نستغل الطاقة الشمسية المتوفرة لدينا ببلاش والتي تتجدد- بفضل الله- يوميا، وأن تكون مصدرا نظيفا وآمنا لإنتاج طاقة لا تنضب ولا تتناقص ولا تتكلف ما يتكلفه توفير الطاقة عن طريق وسائل أخري،
ولنتعلم من غيرنا الذين ساروا أشواطا طويلة في طريق إنشاء محطات الطاقة الشمسية، في استراليا مثلا أعلنت بلدة كلونكري في أقصي الشمال أنها ستتحول إلي استخدام الطاقة الشمسية بشكل كامل ولكل الأغراض خلال سنتين فقط، وأعلنت حكومة ولاية كونيز لاند التابعة لها البلدة أنها ستبني محطة طاقة شمسية بتكلفة ستة ملايين ونصف المليون دولار فقط وطاقتها ١٠ ميجاوات، وبالمحطة ثمانية آلاف مرآة تعكس ضوء الشمس علي قوالب من الجرافيت وستضخ المياه خلال القوالب لتوليد البخار بعد مغيب الشمس مما يسمح لموالدات الكهرباء بالعمل ليلا وفي الأيام القليلة الغائمة، وأن هذه المحطة ستنتج حوالي ٣٠ مليون كيلووات في الساعة من الكهرباء سنويا وهي قدرة تكفي لإمداد البلدة بأكملها بالطاقة.
وهذه تجربة حديثة وتعتمد علي تقنية مختلفة عن تجربة أوروبا التي تريد أن تنقل الطاقة المتولدة عن الشمس عبر البحر إلي دولها علي الجانب الآخر، أما تجربة المدينة الصغيرة في استراليا التي تشبه مدننا في مصري فهي- حسب الرواية الأسترالية- تكلف المدينة الواحدة ٦.٥ مليون دولار، أي ما لايزيد علي أربعين مليون جنيه وتوفر أمامها تكلفة الطاقة المستخدمة بالفعل أضعاف هذا المبلغ سنويا وستصبح المسألة بهذا الشكل مربحة، وموفرة، وتستحق التفكير والتدبير.
الشمس لدينا، ولدينا بوفرة نستحق عليها الحسد، فهي لا تكاد تغيب حتي في أشهر الشتاء المحدودة، فهل سنكتفي بالفرجة علي دول الاتحاد الأوروبي وهي تجمع أشعتها في محطات عملاقة تقيمها فوق أراضينا وتنقلها عبر البحر إليها ونهلل بأننا ندفئ أوروبا ونمد ماكيناتها ومصانعها بالطاقة وأراضيها بالمياه المحلاة؟ هل سنظل نهدر هذه الثروة التي تتجدد وتتبدد يوميا دون أن ننتبه إليها ونمسك بها بينما العالم الآن يتجه إلي استيرادها عبر البحار؟
أما آن الأوان أن نرقب العالم وما يجري فيه من تجارب تهدف إلي إيجاد مصادر نظيفة ورخيصة للطاقة حتي وصل الأمر إلي التفكير في استخراجها من الحبوب بما سيؤثر من جديد علي تكلفة استيراد الحبوب من جانب الدول التي لا تزرع القمح مثلا بكميات كافية وتلجأ إلي استيراده؟
الشمس شمسنا ولا مانع إطلاقا من بيع أشعتها إلي دول أوروبا المجاورة بشرط أن نقيم مولدات موازية أو محطات للطاقة الشمسية علي أرضنا يستخدم ناتجها في الصناعة والزراعة وفي الأغراض المنزلية تعوض ما ينقصنا من مصادر الطاقة وتجعل أسعارها في متناول الجميع ولا نكتفي فقط بموقف المتفرج.