Tuesday, November 20, 2007

لِف وارجع تاني

جمال الشاعر
أصدرت الحكومة قرارا إلي الناس بقانون السير الجديد، المشي للخلف، الناس تمشي للخلف والسيارات تمشي للخلف، حتي إن الأمهات بدأن في تدريب أبنائهن علي السير للخلف منذ مرحلة ما بعد الحبو، مع تعديل في الأغنية الفلكورية «تاتا تاتا خطي العتبة»، لتتحول إلي «تاتا تاتا ارجع عتبة»، وفي مواجهة هذه القرارات القراقوشية ظهرت حركة شعبية اسمها «أصدقاء الطريق»، لكي تعيد الأمور إلي نصابها وإلي المنطق السليم للحياة..
«المشي للخلف» هو عنوان آخر أعمال الأديب فؤاد حجازي، وهو فانتازيا قصصية لكننا نعيشها بشكل أو بآخر في مصر، التي تمشي الحياة فيها للخلف بدلا من أن تتقدم، نعيشها كوميديا سوداوية في الواقع، أيام الملكية كانت لدينا حياة حزبية وتعددية، والملك فاروق كان يعمل ألف حساب للنحاس باشا ووزرائه، وفي مقدمتهم فؤاد سراج الدين، أما نحن الآن فنعيش في زمن العشوائيات، فشلت الحكومات في تقديم تعليم حقيقي فظهر التعليم الموازي والدروس الخصوصية والعشوائيات الفكرية، فشلت الحكومات في التخطيط لشبكات الطرق والمواصلات،
فانحبس الناس في إشارات المرور وظهر «الميكروباظ» والتوك توك، فشلت الحكومات في حل مشكلة الإسكان فتم تبوير الأراضي الزراعية الرائعة، وظهرت الأحياء العشوائية في إمبابة وشق الثعبان وزينهم وقلعة الكبش، فشلت الحكومة في توجيه مدخرات الناس إلي استثمارات اقتصادية، فاتجه المواطن إلي تسقيع الأراضي وشراء الشقق وبيعها، وتحول الشعب المصري إلي شعب من السماسرة والمضاربين، راهنت الحكومات علي اقتصاد السياحة، فانهار الاقتصاد لفترات عدة بسبب عمليات إرهابية أو رصاصات طائشة،
منحت الحكومة تراخيص التليفون للشركات وجمعت المليارات، ولكن المواطن انخرب بيته من فواتير المحمول والأرضي، العشوائيات أصبحت هي الحل حتي إن البعض اقترح إنشاء وزارة للعشوائيات أو وزارتين إحداهما لإدارة الأزمات والأخري للعشوائيات،
خاصة أنه كانت لدينا وزارة اسمها وزارة التخطيط تم إلغاؤها في التشكيل الوزاري الأخير، وهو قرار صائب، لأنها لم تكن تقدم أي خطط استراتيجية لمستقبل مصر، في حين أننا في عصر محمد علي، وفي عصر توفيق كانت لدينا الخطط التوفيقية، وكان لدينا وزير فلاح اجتهد في رؤية علمية ومنهجية لمستقبل مصر.. لماذا تراجعنا؟ لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟!
موريتانيا والسنغال اليوم أصبحتا مثلا يضرب في التوجه نحو الديمقراطية وتداول السلطة، حتي باكستان فيها حراك سياسي حيوي جدا بين بي نظير بوتو والرئيس برويز مشرف، ناهيك عن إيران التي نجح فيها أحمدي نجاد، القادم من المجهول، في الفوز بمنصب الرئاسة في منافسة مع عتويل اسمه رافسنجاني، تركيا تشهد نهضة سياسية واقتصادية طموحة أساسها التنافس وتكافؤ الفرص.. فلسفة بناء الدولة الحديثة الآن هي كما نعلم فلسفة قائمة علي التنافسية، فإذا انتفت التنافسية ضاع جوهر النهضة والحراك والحيوية..
انظر إلي ملاعب كرة القدم، تنافسية حرة بين الأندية واللاعبين والجماهير وشفافية في الحكم، وفي النهاية الكل يرتضي كلام حكم الملعب، وهذا يفسر لك لماذا يقبل الناس علي العضوية في الأندية الرياضية والحماس والتشجيع بكل جوارحهم، بينما لا يقبلون علي ملاعب السياسة في مصر، التي تفتقد أهم عنصرين: التنافسية والشفافية اللذين بدونهما سوف نجد مصر تواصل المشي للخلف، وكلما تقدمنا خطوة.. جاءنا هاتف يقول: «لِف وارجع تاني».

Monday, November 19, 2007

عصر سرور النووي

على السيد

تعجبني مهارة الدكتور فتحي سرور في إدارة جلسات مجلس الشعب، وتدهشني قدرته علي جر الحقائق في الاتجاه الذي تريده الدولة، لكني أتوقف بكثير من التعجب أمام مقولاته التي لا تستقيم مع علمه وجلال منصبه. فالدكتور سرور القائل إن التعليم المصري فاشل، دون أن يدلنا علي كيفية أن يكون غير ذلك، وهو نفسه القائل أيضاً وقبل أيام، إن جميع النواب يباركون دخول مصر العصر النووي. قالها أمام رئيس الدولة، وكأن قراراً رئاسياً بإنشاء محطة نووية للأغراض السلمية يعني أننا دخلنا فعلياً إلي العصر النووي، وأصبحنا نقف رأساً برأس مع البلدان النووية، بفارق بسيط، وهو أننا اخترنا الشق السلمي الذي نعض عليه بالنواجذ.
وإذا كانت تلك العبارة المرسلة والفضفاضة تناسب موظفاً في الحكومة فإنها لا تليق برئيس برلمان ولا تتماشي مع دوره الرقابي والتشريعي، خصوصاً في موضوع يحمل الكثير من الغموض والتضارب، ومثلما نقرأ ونسمع عن مباركي المشروع نقرأ ونري الكثير من معارضي المشروع، ما يدل علي أن هناك ضبابية تلف الموضوع، وغشاوة تحتاج لمن يكشفها.
وليس غير البرلمان جهة يمكن أن تفعل ذلك، وبما أننا نتحدث عن مشروع سلمي، فلابد من مناقشته بجدية داخل أروقة البرلمان وتحت قبته، بما يزيح الغشاوة عن عيون الناس، وليس الترحيب والتأييد والتهليل والتصفيق، وإطلاق الشعارات والعبارات التي تنتهي بانتهاء اللحظة، وتدفعنا للتشكك في مشروع وطني كبير، إذ ليس صحيحاً أن مصر دخلت العصر النووي، ولن تدخله إلا إذا تم إنشاء محطة نووية. فالنية لا تصنع شيئاً، والأمل لا يعني النجاح، فنحن مازلنا غير قادرين علي اختيار المكان المناسب لإقامة المحطة، فكيف نكون من النوويين، وهكذا نفعل مثل الرجل الذي يسأل عن سعر طن الحديد ليشتري إبرة.
كنت أتمني أن يقول، سيد التشريع، كلاماً مغايراً وجديداً في تلك المناسبة، كلاماً لا يخرج به بعيداً عن دوره، ولا يضعه في مقعد غير ما يشغله، فما ينطق به يؤرشف ويوثق ويؤخذ به، كنت أتمني أن يقول إن المجلس اتخذ قراراً بتشكيل لجنة عليا تستعين بكل من تراه مناسباً لهذا الأمر من علماء وخبراء، من المؤيدين والمعارضين علي السواء، لاستجلاء الأمر واتخاذ ما يلزم من قرارات تدعم المشروع وتأخذ به إلي طريق النجاح.
كنت أتمني أن يأتي المجلس برئيس هيئة الطاقة النووية ويسأله: ماذا تريد من تشريعات تسهل لكم الحصول علي ما تريدون دون أن تمروا بعقبة القوانين الحالية، أو بجبال وهضاب الروتين؟. ما القوة التي تحتاجونها لكي تكون لكم الكلمة الفصل، ولا تجعلكم مجرد أداة في يد الحكومة تباهي بها إلي حين؟ ما التشريعات التي تناسبكم وتجعلكم أصحاب القرار الأول والأخير في اختيار الموقع أو الجهات التي تريدون التعامل معها؟ هل تحتاجون إلي هيكل مالي جديد؟ كيف نحمي صغاركم من الغواية؟ كيف نجعل عقولهم وقلوبهم خالصة للوطن؟ ما الوسائل التي تمكنكم من إنجاز المشروع في أسرع وقت وبأنجح طريقة؟ أو أن يجيء المجلس بأهل الاختصاص ليقولوا رأيهم بحيادية وشفافية عن جدوي المشروع وأهميته.
كنت أتمني أن يعلن رئيس البرلمان أن هذا الموضوع سيأخذ الكثير من وقت وجهد المجلس في الدورة الحالية، وأن قرار مصر العمل في هذا المشروع يستلزمه قوانين وتشريعات تدعمه وتسهل له طرق النجاح والتحقق، خصوصاً أننا لم نكن أصحاب تجربة سابقة في هذا المجال، فالأمر، يقيناً يحتاج لتشريعات تنقل مصر من مرحلة الأفكار والأحلام ثم مرحلة القرار، إلي مرحلة الفعل والتنفيذ والتحقق علي أرض الواقع.
كنت أتمني، وبعض التمني يتحقق، أن نسمع من الدكتور سرور ما يثلج الفؤاد وما يقر العين، وليس مجرد كلام احتفالي لا يناسب المكان ولا يليق بالحدث.
آخر سطر:
قال الإمام الشافعي:
احفظ لشيبك من عيب يدنسه
إن البياض قليل الحمل للدنس
كحامل لثياب الناس يغسلها
وثوبه غارق في الرجس والنجس

القيادة السياسية الرشيدة

خالد عزب

جاء اختيار مكتبة الإسكندرية ليتسلم فيها جواكيم شيسانو رئيس موزمبيق السابق، جائزة الحكم الرشيد، ليؤكد نجاح المكتبة في إثبات جديتها علي الساحة الدولية، خاصة في تناولها قضايا الإصلاح بجميع جوانبها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إذن فنحن أمام رؤية لكيفية الإصلاح ونوعيته انطلقت من الإسكندرية، وجائزة دولية للحكم الرشيد تمنح لأحد كبار الساسة في أفريقيا جنوب الصحراء ممن نجحوا خلال حكمهم في إضافة الجديد لبلادهم، خاصة في مجال تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن نسب الفقر المرتفعة وإهدار الثروات الاقتصادية والحروب الداخلية الطاحنة، والنزاعات القبلية، وموروث الاستعمار النفسي والتطاحن علي السلطة والإيدز وغيره من الأمراض، وتدمير البيئة الخلابة، والأمية، تحديات تواجه دول أفريقيا جنوب الصحراء، وكثيرًا ما فشل حكام هذه الدول في إضفاء، ولو سنوات قليلة من الاستقرار علي بلادهم، لذا بات تشجيع الاستقرار وتوفير العيش في مستوي آمن، ودرجة من العلم وتحقيق التنمية المستدامة، أحلامًا لإخواننا في أفريقيا تصل إلي حد السقف الأعلي لأحلامهم.
لذا كانت مبادرة أحد رجال الأعمال السودانيين، لمنح جائزة الحكم الرشيد لقادة أفريقيا جنوب الصحراء، وقدرها ٥ ملايين و٢٠٠ ألف دولار علي مدي ١٠ سنوات، يستخدمها هذا الزعيم لخدمة بلاده بمشاريع خيرية وتنموية، مبادرة غير مسبوقة، لاقت تشجيعاً من كوفي عنان السكرتير السابق للأمم المتحدة، ونيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا السابق، لإدراك كليهما أن مثل هذه الجوائز يعطي ولو شعاعًا من الأمل للقارة السمراء نحو مستقبل أفضل.
ولا تمنح هذه الجائزة إلا وفق قواعد حددها دليل علمي تم إعداده من قبل روبرت روتيبرج الأستاذ في كلية كيندي بجامعة هارفارد، يهدف هذا الدليل إلي تشجيع المناقشة، ليس في أفريقيا فحسب بل حول العالم، عن المعايير التي ينبغي بموجبها تقييم الحكومات.
وإذا كانت أولي دورات هذه الجائزة انطلقت من مكتبة الإسكندرية، فإن هذا تأكيد علي مكانة مصر في أفريقيا، هذه المكانة التي ظننا أننا فقدناها بعد صفر المونديال، لكن لاتزال لدينا مكانة رفيعة لدي الأفارقة، ممتدة من مكانة الرئيس جمال عبدالناصر الأب الروحي لحركات التحرر في أفريقيا، ومكانة بطرس غالي الذي لديه احترام كبير في هذه القارة بوصفه سياسيا مُحنكًا ملمًا بجميع الشؤون الأفريقية، والموروث التاريخي للأزهر الشريف والذي مازال ممتداً إلي اليوم في أفريقيا، جنوب الصحراء.
هل لنا أن نستعيد أفريقيا مرة أخري لمصر، وأن يعود اهتمامنا بها؟ إن انضمام مصر للكوميسا ليس كافياً، وضم وول سونيكا الأديب النيجيري لمجلس أمناء مكتبة الإسكندرية ليس كافياً، بل سيكون حضور مصر في أفريقيا، ببعث الاهتمام بجميع شؤون هذه القارة، ومد جسور التواصل مع المثقفين والمفكرين والمؤسسات في جميع أرجاء هذه القارة.
لابد من التفكير في مد طريق سريع عبر شاطئ البحر الأحمر إلي جنوب أفريقيا، ليكون بداية للتواصل السريع المستمر مع أفريقيا بلا عوائق ولا قيود
.

لماذا يهرب الناس من أوطانهم؟

د.محمود عمارة

قبل هدم سور برلين الفاصل بين ألمانيا الغربية، وألمانيا الشرقية في الثمانينيات لم يحدث مطلقًا القبض علي ألماني غربي حاول الهرب إلي ألمانيا الشرقية، وكان العكس هو الصحيح.. مئات بل آلاف من شباب ألمانيا الشرقية هم الذين كانوا يحاولون القفز إلي الغربية «طهقا» من النظام الديكتاتوري - الاستبدادي الشيوعي المتخلف.
ولم يحدث أبدًا أن سمعنا عن مواطن أمريكي هرب إلي المكسيك أو بنجلاديش، ولم تسجل حالة مواطن إسرائيلي واحد حاول الهرب إلي روسيا مثلاً، ولكن آلاف الروس والروسيات هم الذين يهربون إلي إسرائيل، ولم نقرأ عن مواطن إماراتي أو سعودي حاول الهرب إلي السودان أو اليمن أو سوريا - فلماذا «يطفش» المصريون إلي أي مكان خارج حدود هذا الوطن؟، حتي إلي إسرائيل فتصبح هناك جالية مصرية في تل أبيب تقارب الأربعين ألف شاب، إلي موريتانيا «٢٠٠٠ مصري»، إلي بوركينا فاسو «٨٠٠ مصري»، إلي موزمبيق «٣٥٠ مصرياً» باحثًا عن فرصة، عن وظيفة، أملاً في حياة أفضل، ومستقبل أضمن بعد أن وصل حجم البطالة الحقيقية إلي ما يزيد علي ٨ ملايين لعجز الدولة عن الاستثمار في الإنسان بتدريب وتأهيل الخريجين - وبعدم التخطيط لربط التعليم باحتياجات سوق العمل، «رغم أن هناك فرص عمل بالمصانع والمزارع تفوق ٢ مليون وظيفة براتب ٤٥٠ جنيهًا شهريًا للعامل، ٥٥٠ للمشرف، ٧٥٠ للمهندس، ٢٠٠٠ للمدير الإداري، ٥٠٠٠ للمدير المحترف».
ولكن معظم المتقدمين للوظيفة طامحون في الراتب، ومتصورون أن يعملوا في القطاع الخاص بنظام الحكومة «حضور وانصراف، وغياب» لان أحدًا لم يشرح أو يدرب أو يؤهل كما تفعل كل دول العالم للشباب أثناء الدراسة، وبعد التخرج، وقبل ضخه في سوق العمل ليفهم ما هو مطلوب منه.
وبما أن الحكومة أوقفت التعيين، تجد مئات الآلاف من الشباب «ملطوعين» علي المقاهي والنواصي، يسمعون عن الفساد للركب، وللحلقوم، ويرون الفاسدين واللصوص في الصفوف الأولي، وكل يوم مانشيتات كاذبة، ووعود زائفة، وأرض الواقع شاهدة أمام عيونهم علي الظلم، وعدم المساواة، وغياب العدالة، وتحطيم القوانين و... و... المهم أن الشباب المصري «كفر» و«طهق» و«مل»، و«زهق» من هذه الكآبة، ولا يجد أمامه سوي التفكير في الهجرة إلي أي بلد آخر، فالحال هناك بالنسبة له لن يكون أسوأ مما هو فيه، وفي أسوأ الحالات فالموت في عرض البحر لن يستغرق أكثر من ساعات أفضل من العيش طوال العمر في ذل ومهانة!
والسؤال: كيف نقنع الشباب بالبقاء، وكيف نعيد إليهم الثقة في الحاضر، والأمل في المستقبل؟
أولاً، علينا أن نفهم أن القبض علي بعض السماسرة، ومنع بعض السفن، وتشديد الحراسة الليلية لن توقف نزيف الانتحار، ولن يعجز الوسطاء ولن تختفي العصابات، ولن يقبل الشباب هذا الطوق.. لأنه «يتوق» إلي الحرية.. إلي النجاح.. إلي الأمل.. إلي تحقيق الذات.. إلي العدالة والكرامة، ولهذا يجب ألا نعتمد علي الإجراءات البوليسية وحدها.. فماذا نفعل علي المديين القصير، والبعيد؟
١- مراكز للتأهيل والتدريب والتشغيل في كل مركز، ومدينة، وحي.. حتي لو احتاج الأمر المساعدة من جهاز الخدمة الوطنية الأكثر تنظيمًا، لتأهيل ٢ مليون كل عام يحتاجهم القطاع الخاص بالمصانع والمزارع والفنادق والخدمات.
٢- فتح الأبواب والنوافذ للاستثمارات المصرية والعربية والأجنبية بضوابط واضحة وصريحة وشفافة، لجذب الاستثمارات في قطاعي الزراعة والصناعة كثيفة التشغيل، وخلق فرص العمل بعيدًا عن البيروقراطية العقيمة والروتين العفن والبطء في اتخاذ القرارات.
٣- وزارة للهجرة: علي رأسها شخصية قوية، فاهمة، لديها استراتيجية لجذب مليون مغترب راغبين في العودة غدًا، وكل واحد منهم لديه مدخرات تكفي لافتتاح مشروع يخلق ٥ فرص عمل = ٥ ملايين وظيفة في ظرف عامين علي الأكثر.
٤- البدء فورًا في الحوار، والتفاوض مع كل الدول الأوروبية، وعلي رأسها إيطاليا، لتصدير مائة ألف شاب مصري سنويا - تحتاجهم سوق العمل هناك نظرًا لقلة الإنجاب، ونقص الأيدي العاملة في سن الشيبوبة «متوسط إنجاب الإيطالية طفل واحد في العمر» وعام ٢٠٣٠ هناك أزمة محققة في إيطاليا وفرنسا ومعظم الدول الأوروبية حيث سيصل عدد من هم في سن المعاش إلي أكثر بكثير من الشباب العامل، مما يعصف بصناديق التأمينات والمعاشات، ويسبب خللا جسيمًا في سوق العمل.
ولكن بعد أحداث سبتمبر ومدريد ولندن.. أصبح «العربي» في نظرهم إرهابيا محتملاً، أو علي الأقل مشكوكا فيه.. ولهذا يلزم التفاوض معهم «وهم مستعدون للحوار».. ليتقبلوا أعدادًا كبيرة من المصريين للإقامة والعمل هناك، وشروطهم:
١- إعادة تأهيل وتدريب الراغبين في السفر علي نفقاتهم «أي الدول المستوردة» بما يتلاءم مع احتياجات سوق العمل هناك.
٢- تعليم اللغة الإيطالية أو الفرنسية أو غيرهما حسب البلد المتعاقد معه في هذا البرنامج.
٣- «غسيل مخ» بالمعني الإيجابي، وهو إعادة تفهيم وتعليم ثقافة البلد «المضيف».. مبادئ الثقافة الغربية من احترام القوانين.. الالتزام في العمل.. وكل المبادئ والقيم المتحضرة من احترام الآخر، والقناعة بأن «العلمانية» (أي فصل الدين عن الدولة) هي سبب التطور والتقدم، ومن يرغب في ممارسة شعائره فليذهب إلي المسجد أو الكنيسة بعيدًا عن خلط الأوراق.
باختصار: الدول الغربية في حاجة إلي عمال مدربين، وحرفيين مهرة.. راغبين في العمل.. يندمجون في الثقافة الغربية (ولكم دينكم ولي دين).. وهذا ما لم يعرضه أحد من مسؤولينا، ولم يطرحه أي وزير مختص.
وكل ما فعلناه، أن اتفقت الوزيرة «عائشة» مع السفارة الإيطالية علي تسفير ١٠٧ شباب مصريين للعمل في إيطاليا.. ولم يطرح أحد فكرة «برنامج» متكامل، ومستمر لتصدير مائة ألف سنويا مؤهلين بشروطهم ومواصفاتهم.. فهل يتقدم أحد يهمه الأمر للحوار والتفاوض، وبعدها نستطيع أن نمنع السماسرة ونقطع رؤوس مافيا تهريب البشر. هناك أفكار كثيرة لا يتسع لها المكان ومستعد لمناقشتها بالتفصيل مع أي مسؤول مهتم بهذه القضية إذا كان هناك أحد يهمه الأمر!

الذهاب الى اوروبا يستحق المغامرة. حتى لو عوما :)))

اقيم احدث سجن في هولندا في قلب منطقة صناعية في زاندام شمال العاصمة امستردام. والسجن عائم فوق سطح احد الممرات المائية العديدة في هولندا.
ونزلاء ذلك السجن ليسوا من المساجين الجنائيين، بل هم مهاجرون غير شرعيين من مرتكبي ما يسميه الهولنديون "جرم اداري".
ويعد ذلك حلا لمشكلة واجهتها السلطات في نهاية التسعينيات مع سعيها لفصل المهاجرين غير الشرعيين عن المجرمين العاديين في وقت تشهد فيه السجون تكدسا.

ونقلت البي بي سي عن اريك نيجمان من وزارة العدل الهولندية قوله : "من السهل توفير مكان على سطح المياه عن الحصول على ارض، كما انه سهل البناء"، ويضيف ان السجن العائم اكثر مرونة "فاذا كانت لدينا مشكلة في امستردام مثلا يمكن نقلهم بحرا".
بني السجن على جدارين من الخرسانة مثبتين على رصيفين من الحديد، وبجوار حوض للخشب، ويتم الوصول اليه عبر جسر صغير.
وملحق به ملاعب خارجية كما يضم ملاعب للتنس وكرة الطاولة.
وتضم كل زنزانة سريرين ومكتبا وثلاجة وتلفزيون وحتى ماكينة للقهوة، وبكل زنزانة حمام ومرحاض. ويتسع السجن لعدد 576 من النزلاء.
ورغم كل تلك التجهيزات ويبل الراحة، يبقى السجن سجنا. فالزنازين تغلق من الخامسة مساء الى الثامنة صباحا، ويمكن ان يقضي النزلاء ستة اشهر او اكثر بينما تعمل السلطات على تحديد اوضاعهم واقناعهم بالعودة الى بلادهم طوعا.
وتلعب المنظمة الدولية للهجرة دورا رئيسيا في ذلك بمحاولة اغراء هؤلاء بالعودة لاوطانهم وتوفر لهم بطاقات وجوازات السفر وحتى الاموال.
ورغم انهم لا يحبذون سجن المهاجرين غير الشرعيين، الا انهم يريدون فصلهم عن المجرمين. ولا تتعقب الشرطة الهولندية المهاجرين عمدا، لكن اذا استجوب شخص ولم تكن لديه الاوراق المناسبة يحتجز.

عملا سفليا

أحمد المسلماني

كنا طلبة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وفي إحدي المحاضرات الخاصة بالنظام السياسي العربي سألنا الأستاذ: ما السبب الرئيسي في أزمة النظام العربي؟ وقد قلت وقال زملائي كلاما كثيرا وكبيرا.. ثم سكت الأستاذ وقال: أهذه كل الأسباب؟ ألا يوجد أي سبب آخر؟ وكان ذلك تحديا لطلبة بارعين ومغرورين يستعد العامة فيهم لمنصب السفير، ويتجاوز الخاصة فيهم حلم الوزير، وانطلقنا نقول قولا عظيما في أسباب الأزمة.
صمت الأستاذ مبتسما ثم قال: لماذا تفكرون دوما علي أساس المنطق؟ ولماذا تقصرون تحليلاتكم علي علم السياسة؟ لماذا تتصورون أن وراء كل قرار سياسي حكمة بالغة أو حسابات معقدة؟ ثم قال ضاحكا: إن أزمة النظام العربي تتجاوز علم السياسة، وهي أصعب من علم النفس وعلم الاجتماع.. إن حال العالم العربي كله خارج العلم، إنني أتصور أن الأساس في أزمة العالم العربي هو «عمل سُفلي من أعمال السحر»، ربما تكون هناك دولة شيطانية قد ذهبت إلي كبار السحرة «وعملت (عمل) للعالم العربي»، وألقت هذا العمل في قاع المحيط، وربما لا نكون في احتياج لعلماء سياسة، يشرحون لنا كيفية الحل، وربما نكون في حاجة إلي مشعوذين كبار يمكنهم الإتيان بـ«العمل» من قاع المحيط!
لقد كانت هذه الواقعة دافعا دائما لي، للنظر أحيانا فيما وراء العلم.. وكنت كلما وجدت عجزا في فهم أداء السياسة المصرية، وهو عجز نابع من عجز علم السياسة عن فهم ما الذي يجري في مصر ـ كنت كلما وجدت ذلك تذكرت محاضرة أستاذنا، لماذا لا تكون الإجابة خارج نطاق العلم.
إن علم السياسة لا يستطيع أن يشرح الحالة المصرية، ما الذي يقوله العلم في دولة بدأت تجربة النهضة فيها قبل اليابان، ثم انتهت إلي قرب الصومال؟ ما الذي يقوله العلم في عصر عبدالناصر أو عصر السادات أو عصر الرئيس مبارك؟ ما الذي يقوله في جماعة الحكومة وفي الإخوان المسلمين، في فريقين يلعبان بوطن كامل، بالنقابات والجامعات والمؤسسات، وطن جري اختصاره بين من يتاجرون بالدنيا ومن يتاجرون بالآخرة؟!
ما الذي يقوله العلم في حكومة تطلق علي محطات الكهرباء «العصر النووي»، وتناضل ضد «ضغوط الخارج»، بينما يتنافس «الموردون النوويون»، وقد يقدمون رشاوي للفوز بمناقصات المشروع؟
ما الذي يقوله العلم في بلد ينشغل شهرا بقضية «بول الرسول» وشهرا بقضية «إرضاع الكبير» وشهرا «بالرسومات الدنماركية» وشهرا بقوائم الأمن والإخوان في انتخابات الجامعات، وشهرا بالقوائم ذاتها في انتخابات النقابات، وشهرا بتوحيد الرؤية لهلال شهر رمضان، وشهرا بمؤتمر الحزب الجمهوري الحاكم، ودهرا بفتاوي أصحاب الفضيلة من مفتي الديار إلي الإمام الأكبر؟!
ما الذي يقوله العلم في علامات الساعة الصغري والكبري والوسيطة، قيادات صحفية لا تجيد الكتابة، وقيادات تعليمية لم تحصل تعليما مفيدا، وقيادات اقتصادية، قال وزير الزراعة فيها إنه فشل في زراعة أرضه وقيادات دبلوماسية، تعرف القليل عن الدبلوماسية ولا تعرف القليل ولا الكثير عن السياسة الخارجية، وقيادات سياسية تفكر ألف مرة قبل أن تتخذ القرار الخطأ؟
ثمة شخص يكره هذا الوطن، وقد استطاع أن يقنع كبير السحرة بأن يكتب له «عملا سفليا»، ثم ألقاه في غياهب البحر..
لقد أضحت مصر خارج علم السياسة!

Sunday, November 18, 2007

الريس في إشارة قصر العيني

د. سحر الموجي

تابعت باهتمام شديد أخبار خطاب الرئيس في البرلمان منذ قبل موعد الخطاب. و علي هنا أن أقدم اعترافا مؤلما وهو أن السبب الرئيسي لمتابعتي أخبار الخطاب كان برجماتياً بحتاً وغير نبيل بالمرة ذلك أنني للأسف الشديد أعطي محاضرة في يوم الأربعاء الذي سيصادف نفس يوم الخطاب.
كان قراري واضحا بالذهاب إلي الجامعة ذلك اليوم. وددت لو منحت نفسي إجازة مثلما حدث مع موظفي الديوان العام لوزارة الصحة فلم يشتغلوا ذلك اليوم (اللهم لا حسد) ولكن لم يحدث طبعا. كيف سأذهب إلي الجامعة والإدارة العامة لمرور القاهرة تعلن إعداد محاور مرورية جديدة لتكون بديلا لشارع قصر العيني وللعروبة وكوبري ٦ أكتوبر!
ورغم قلقي وعزمي علي تنفيذ خطتي بالنط من فوق السور والوصول إلي الجامعة، فإنني أيضا شعرت بالتسلي وأنا أقرأ أخبار الاستعدادات الحربية.. أقصد الأمنية المكثفة لهذا اليوم: شوارع بديلة وإجازات رسمية لبعض الإدارات الحكومية في المنطقة وأمن مركزي وإزالة مخالفات طرق وإلغاء انتظار السيارات وإغلاق شوارع جانبية...... ياه يا جدعان ما هذه الشطارة والهمة. ولماذا لا تتجلي في كل الأوقات ولخدمة ملايين المصريين المعذبين يوميا في هذه الشوارع.
وبعد وقت طويل تفحصت فيه جوانب المشكلة لم أصل إلي أي يقين فقررت التوكل علي الله وإلقاء نفسي في شارع قصر العيني شخصيا مع التأكد من التحرك قبل موعد التدريس بثلاث أو أربع ساعات. وعندما وقفت مع باقي المواطنين في مدخل قصر العيني وأطفأنا مواتير السيارات سرحت بذهني بعيدا عما يحدث حولي ودخلت قاصدة إلي عالم خيالي (يكفيكم شر الداء الروائي البطال). قررت أن أرسم سيناريو للرئيس في إشارة مرور.
يبدأ الرئيس يومه بابتسامة عريضة ويفاجئ من حوله بقراره أن يعيش يوما عاديا لمواطن مصري عادي و ليس بـ«شَرطة»، فيلغي المواكب ويأمر الأمن أن يترك البلد كما هي لأنه يريد أن يعيش هذه التجربة. يترك وراءه الهليكوبتر ويركب سيارة يقودها أشطر سائق لديه. . وبعد الرحلة المريرة خروجا من نفق العروبة ومرورا بكوبري أكتوبر وفوقه تشكيلة من مشاهد متناثرة لسائقين تتلامس سياراتهم فتندلع نيران الشتائم والسباب ولا مانع من مشهد ضرب سريع.
وفي لطعة طويلة علي كوبري أكتوبر يشاهد الرئيس الميكروباصات التي تبخ سموما سوداء مرة الطعم في أوجه البشر ويتأمل سحنة الكآبة التي أصبحت ترتسم فوق ملامح المصريين، مولد كلاكسات ودوشة وأطفال شوارع بعلب الكلينكس وعربات كارو تسير عكس الاتجاه، يصل الرئيس إلي مجلس الشعب وبدلا من التحدث عن إنجازات الحكومة خلال الدورة البرلمانية المنتهية فإنه يسأل الحكومة عن شكل الشارع المصري وكيف تتوقع الحكومة من الناس أداء أعمالهم بكفاءة بعد ساعات من المرمطة في الشوارع.
كما يسألها أيضا عن كل أطفال الشوارع الذين يرتعون في الإشارات ولماذا نسيت حل مشكلة هؤلاء الملايين الذي لم تر مصر حجما كبيرا لهم مثل الآن بعد أن كانت الحكومة منذ شهور قليلة تتحدث باستمرار عن هذه المشكلة. سيسأل الرئيس ألف سؤال يتماس مع هواجس كل مواطن مصري.
لو عاش الرئيس يوما قاهريا تماما في شكل مروره لغير من وجهة نظره في العديد من القضايا ولتقلص في عينيه حجم الإنجازات الحكومية. لو وصل إلي المجلس متعبا يكاد لا يملك طاقة الحديث لفهم تضاؤل حجم إنتاجيتنا كشعب، ولعرف أحد أسباب اكتئابنا وعدوانيتنا وقسوتنا علي بعضنا البعض.
لكن إن ظل يذهب إلي مكان إلقاء خطابه في هليكوبتر ومنها إلي موكب مهيب لا تتعدي مسيرته دقائق بسيطة وعندما ينظر حوله يري ساحات انتظار سيارات هادئة لأنها شاغرة (لا عدة صفوف من السيارات علي جانبي الشوارع) ويمتع عينيه بأصص زرع وحاجات جميلة (كأنها مصر منذ خمسين عاما) من البديهي أن يحدثنا عن إنجازات الحكومة.. استمتعت بالسيناريو لدرجة أنني قاربت علي تصديقه وتمنيت من كل قلبي أن يحدث «مش كتير علي ربنا؟».
تلفت حولي فرأيت نظرات الامتعاض النارية توجه إلي كالقذائف من سائقي السيارات القريبين مني بسبب الابتسامة التي تسربت رغما عني كأن عيونهم تسألني بدهشة «إنت شايفة حاجة تبسط في اللي إحنا فيه؟».
استعدت التكشيرة تضامنا مع إخوتي المواطنين وانتقلت إلي التفكير في سيناريو آخر أتفنن في رسمه إلي أن تتحرك السيارات.

بلد المليون غريق

الآن يمكنني الافتخار بقريتي «برج مغيزل»، أقدم القري المصرية والتي ورد ذكرها في كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي ثلاث مرات، ثم كاد يطويها النسيان ويحطمها الإهمال الذي قضي علي أحلام شبابها، فتحطمت معه جميع الأرقام القياسية في الفقر والمرض، في الجوع والعطش، في سوء الخدمات، وأيضا في حوادث الغرق التي جعلتها لا تكاد تخلع ملابس الحداد.
هذه القرية صارت بلا مبالغة قرية الفرص المعدومة، لا يعرف أهلها وظيفة إلا الصيد الذي انعدمت جدواه تماما الآن، ورغم ذلك ليس أمام شباب هذه القرية، والذين يحمل معظمهم أعلي الشهادات إلا مهنة الصيد وركوب البحر ليبتلع أحلامهم المتواضعة.
وأخيرا قررت هذه القرية أن تثور علي هذا الواقع، وتفرض نفسها بقوة علي الساحة المحلية بل والعالمية كي تسترجع شهرتها من جديد بالمساهمة في فوز مصر بلقب بلد المليون غريق، وذلك برحلات الموت التي تنطلق منها كل يوم، حتي أطلقوا عليها قرية الموت.
هذه القرية لم تقم كغيرها بثورة ضد البطالة أو الفقر أو العطش.. فهي لا تري فائدة من نظام لا يري ولا يسمع ولا يتحرك إلا لمتابعة الكوارث ونثر كلمات العزاء، ومن هنا قام هؤلاء بثورتهم علي الحياة نفسها، ورفعوا شعار اطلب الموت توهب لك الحياة.
ولا يكاد يمر يوم الآن إلا ونسمع عن رحلة بهدف النجاة من جحيم الواقع بحثا عمن يمنحهم وسام الإنسانية، ويمن عليهم بفرصة لحياة آدمية، أو الاستقرار في قاع البحر فربما كانت حيتانه أكثر رحمة من الحيتان الآدمية الذين نعيش بينهم الآن، والذين هم يملكون كل شيء بينما بقية الشعب لا يملكون شيئا.
أذهب كل يوم لبائع الصحف أتطلع إلي المانشيتات السوداء التي تنعي زملاء الطفولة، وأسترجع هذه الذكريات التي جمعتني بهؤلاء الشباب ،هذه الأحلام التي كانت تكبر معنا كل يوم ،نقفز بها من نوافذ المدرسة قبل أن ينهار سقفها علينا، هذه الأحلام التي كانت شمعة نذاكر عليها دروسنا عندما ينقطع التيار الكهربائي بعد كل عاصفة ونتحدي بها قسوة الحياة وليالي الشتاء الطويلة التي كانت تعني انعدام الدخل بسبب النوات المستمرة والتي تمنع رحلات الصيد، أنعي أحلامنا التي كانت شامخة كأشجار النخيل التي تملأ القرية، قبل أن تحطمها الأمواج العاتية، وقبل أن تصادرها فتوي فضيلة المفتي ليخسر هؤلاء أخراهم، بعد أن حرموا من دنياهم هذه الفتوي التي مثلت بالقتيل تطييبا لخاطر الجناة، كي لا تنزعج ضمائرهم المعدومة.
مهندس ـ علي درويش

عندما يتوحش «الفساد»

هل يعلم الذين يتحدثون عن مكافحة الفساد عن طريق لجنة وزارية إدارية أن تلك المزاعم لا تثير في نفوس المواطنين سوي مشاعر الاستخفاف وعدم التصديق؟ إن مكافحة الفساد تعني فرض احترام القوانين والتصدي لمخالفيها.. فهل بقيت في مصر قوانين تحترم ويفرض تنفيذها علي الجميع؟ انظروا لما يجري في الواقع المصري من فوضي ضاربة وسط أحراش قوانين البلطجة الموازية التي أنتجها واقع الفوضي وانسحاب دولة القانون.
الفساد أصبح هو القانون بعد أن تهاوت ـ بفعل فاعل معلوم ـ الثقة العامة في هيبة القوانين ووجوب احترامها، وفي جدوي اللجوء للقضاء كوسيلة ناجزة لاقتضاء الحقوق..
وفي هذه الجزئية لا نستطيع أن نبخس سلطاتنا التنفيذية حقها في تحقيق ذلك الإنجاز المخزي بمساهمتها الفعالة في إضعاف مرفق القضاء وعدم الاهتمام برفع كفاءته كماً أو نوعاً ابتداء، وبالاعتداء علي أحكام القضاء بالامتناع عن تنفيذها انتهاء.
ولا ننسي دور سلطة التشريع التي حرصت، علي تحنيط تشريعاتنا الأثرية العقيمة المتعلقة بالتنفيذ الجبري للأحكام وحمايتها من تسرب أي نصوص محترمة مستوردة من الخارج، كالتي تنزل أشد العقاب الأدبي والمادي والجنائي علي المعتدين علي الحقوق والممتنعين عن تنفيذ أحكام القضاء، سواء كانوا من آحاد الناس أو من الموظفين العموميين لا فرق!
إننا نعيش منظومة سياسية تنفيذية تشريعية لا يمكن أن تقود إلا إلي دعم وتكريس الفساد، وكفالة حمايته، وإفلاته من المحاسبة، من خلال ثقوب ثوب تشريعي مهلهل يخلو نسيجه من أي خيوط للرقابة الشعبية المستقلة التي تملك محاسبة جهات الرقابة الرسمية في حالة تقاعسها أو انحرافها وتواطئها مع الفساد. مطلوب جهاز رقابة إدارية مستقل وغير تابع للسلطة التنفيذية ولا غيرها، فالتابع لا يملك الرقابة علي المتبوع.. مطلوب نيابة عامة خاضعة للرقابة والمحاسبة تخضع للقانون ولا تعلوه، وذلك بإنهاء جمعها غير الصحي بين الصفتين التنفيذية والقضائية.
نريدها جهة اتهام تنفيذية تمثل المجتمع في خصومته مع الأفراد، كما هو الحال في العديد من الدول الديمقراطية العريقة، لا أن تكون خصماً وحكماً ذا سلطة قضائية.. أو نطلب علي أقل تقدير إخضاعها للقانون بإلغاء أي نص يحصن أي قرار إداري أو قضائي للنيابة العامة من الطعن أمام القضاء. فالحصانة من المحاسبة هي جوهر الاستبداد وهي منبع كل فساد.
القضاء علي الفساد ممكن دون إعادة اختراع العجلة.. فقط لو صحت النوايا وتوافرت الإرادة.. فهل من سميع؟ أم نحن نؤذن في مالطة؟
هشام المهندس ـ المحامي

عيب هذا الرجل

سليمان جودة

تكره الدولة في مصر، أن يكون لأحد من أبنائها وزن عالمي.. فإذا حدث، فإنها تحاربه، وتتجاهله، وتطارده، وتكاد تطرده.. وعندما اقترح الدكتور أحمد زويل، إنشاء جامعة مختلفة في البلد، عومل كأنه عدو، ولايزال، حتي هرب بحاله وماله وجامعته إلي قطر.. ولايزال كلما جاء اسمه، أمام المسؤولين، أصيب بعضهم بالحساسية، وراح يتحسس رأسه!!..
وهو الشيء نفسه، الذي حدث، من قبل، مع الدكتور إبراهيم شحاتة ـ يرحمه الله ـ فقد كان اقتصادياً من المعدودين علي مستوي العالم، فضلاً عن المناصب الدولية التي تقلدها.. ولكن لأنه أخرج كتاباً، سماه «وصيتي لبلادي» فقد انقلب،
فجأة، إلي شيطان لا يريد أحد في الحكومة، أن ينصت إلي كلامه، ولا يطيق له وجوداً، لا لشيء، إلا لأنه استهل الكتاب، بأن أي إصلاح حقيقي، لن يكون بغير وضع دستور مصري يليق بمصر، بدلاً من هذا المسخ الموجود حالياً!.
وكان الدكتور سعيد النجار ـ يرحمه الله هو الآخر ـ واحداً من رجال الاقتصاد الأفذاذ، ولكنه مات شبه مقهور، فقد كان معدوداً، عند الدولة، من الخصوم الذين يجب ألا يطمئن إليهم أحد، والذين يجب أن يواجهوا حرباً، في كل مكان يذهبون إليه.. ولم يكن ذنبه، سوي أنه أنشأ جمعية اسمها «النداء الجديد»، كان يريد، من خلالها، أن يؤسس لفكر ليبرالي حقيقي، في وقت تسود فيه الغوغائية، في التفكير، كما لم يحدث، من قبل، خصوصاً علي مستويات رسمية كثيرة!.. فمات الرجل، بينما صدره يتمزق علي حال الوطن!.
ومنذ يومين، حذر الدكتور مصطفي كمال طلبة، أحد القلائل المتخصصين في أنحاء الكون، في مسائل البيئة، من أن المناخ علي ظهر الأرض، يتغير عاماً بعد عام، وأن هذا يؤدي في حصيلته النهائية إلي ارتفاع منسوب الماء في البحر الأبيض المتوسط، وحين يتواصل الارتفاع بهذا المعدل، ويصل إلي ٤٠ سنتيمتراً، فإن ربع الدلتا، سوف يغرق،
بما في ذلك ـ بالطبع ـ قري الساحل الشمالي.. وقد نشرت الصحف، كلام الرجل، في صفحاتها الأولي، فكان صداه بيننا، كأنه يتحدث عن غرق شواطئ إيطاليا!.. فلا حس، ولا خبر، من جانب الذين يعنيهم الأمر، ولا أحد قال للدكتور مصطفي إنه مخطئ، أو إنه أصاب فيما قال، ولا حاجة علي الإطلاق!!.

ومنذ عدة أيام، انعقد مؤتمر عن البيئة في «فالنسيا» بإسبانيا، وفيه أجمع ألف عالم حضروه، بما يشبه إجماع مؤتمرات الحزب الوطني، علي أن الاحتباس الحراري يتسبب في ارتفاع درجة الحرارة سنوياً، ما بين ٢ و٤ درجات، وأن هذا علي المدي البعيد سوف يؤدي إلي هلاك ثلث الثروة الحيوانية في العالم، وسوف يؤدي إلي مجاعات وكوارث، من النوعية التي تقع في أعماق أفريقيا، ونتطلع إليها، بأعصاب باردة علي شاشات الفضائيات!.
لا جدال، بطبيعة الحال، في أن هذا التلوث في طقس الأرض، ناتج عن الاستخدام الواسع للطاقة المحترقة، علي امتداد قارات الدنيا، وأن المسؤول الأول عن ذلك، هو الدول الصناعية الكبري، خصوصاً الولايات المتحدة، ومن بعدها دول أوروبا، ثم تأتي من بعد ذلك الصين، وإلي جوارها الهند.. ولكن التراكمات الملوثة للحياة جاءت في الأساس،
من أمريكا ومعها أوروبا، وهما بالتالي مسؤولتان بالدرجة الأولي عن إيجاد حل لهذه المأساة، بالبحث السريع عن وسائل طاقة بديلة، تستخدم الشمس والرياح وغيرهما، بما لا يتسبب في غاية المطاف، في تلويث العالم، وغرق شواطئه، وهلاك ثرواته.
غير أن ما يخصنا، في الموضوع، هو كلام الدكتور طلبة.. فما قاله، ولايزال يقوله، جزء مما قيل في إسبانيا بإجماع، وليس أغلبية ألف رجل من علماء الأرض، كما أن الشيء المؤكد أن الدكتور طلبة، لا عنده جامعة يريد أن ينشئها لينافس بها آخرين، ويخطف منهم الأضواء، ولا عنده جمعية نداء جديد أو قديم، ولا هو يطالب بدستور عصري، أو غير عصري..
ولكنه مشفق علي مستقبل الساحل والدلتا، من فيضان تقول الحسابات العلمية، إنه قادم لا محالة.. وهو لا يريد من الذين يحكمون البلد، ويتحكمون فيه، إلا أن يقولوا لنا، ماذا بالضبط سوف يفعلون، لمواجهة ما سوف يحدث وقتها..
ولكن عيب الدكتور مصطفي، الوحيد، فيما يبدو، أنه رجل عالمي، وأن هناك من لا يحب بيننا أن يستجيب لنداءات رجال من هذا النوع، الذين هم علي درجة من طول القامة، تكشف بالضرورة قصر قامة غالبية القائمين علي الأمر داخل البلد!!.

« كتالوج» الحكم الرشيد

د. معتز بالله عبد الفتاح

أصل التقدم واحد وله كتالوج عالمي يحتوي علي مبادئ عامة نعرفها استنباطا من الهدي السماوي أو استقراء بالخبرة والتجربة ولابد في النهاية أن يلتقيا لأن صحيح المنقول لابد وأن يتفق مع صحيح المعقول. ولنتأمل العبارات التالية ومدي تشابهها:
1- قال الله تعالي: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي وبعهد الله أوفوا"
2- ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران."
3- فرانسيس بيكون: "إذا لم تحترم الدولة قواعد العدالة، فإن العدالة لن تحترم قواعد الدولة.
"4- أبو حامد الغزالي: "العدل أساس الملك."
5- مارتن لوثر كنج: "إن الظلم في أي مكان أو مجال تهديد مباشر للعدل في كل مكان وكل مجال.
"6- ابن تيمية: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة."
7- رينهولد نيبور: "إن نزعة الإنسان نحو العدل هو ما يجعل الديمقراطية ممكنة، ونزعة الإنسان نحو الظلم هو ما يجعل الديمقراطية ضرورية.
"8- برنامج الحكم الرشيد ومكافحة الفساد التابع للبنك الدولي: "إن وجود قواعد شفافة وقوانين محترمة من الجميع تصدر عن جهات منتخبة بكل نزاهة وعدالة ناجزة وسريعة يعد من أهم مؤشرات الحكم الرشيد بما يعنيه ذلك من سرعة إنجاز العمل، وإشاعة ثقافة من الثقة بين جهاز الدولة والمجتمعين المحلي والعالمي وقابلية الاقتصاد لاستقبال الاستثمارات الأجنبية."

ولنتأمل الشروط الثلاثة التي يوردها المتخصصون في الحكم الرشيد، وهي: أولا: وجود قواعد قانونية نزيهة تصدر عن جهة تحظي بمصداقية، وهذه القواعد ليست قواعد مثالية عليا فقط (مثل كرامة الإنسان واحترام حق الملكية الخاصة) وإنما لابد أن يكون فيها من التحديد الذي لا يتناقض مع خاصيتي العمومية والتجريد. ويصاب المجتمع بآفة هائلة إن لم توجد هذه القواعد، أو أن تكون غير مكتملة، أو أن تكون حمالة أوجه، أو أن تكون الجهة المسئولة عن إصدار هذه القواعد لا يعرف عنها النزاهة. وفي مصر يوجد ما يثير التأمل في هذا الصدد، فقد أحال الدستور إلي مجلس الشعب مسئولية إصدار قانون لمحاكمة الوزراء ولكن لم يقدم مجلس الشعب علي سن هذا التشريع حتي الآن. ثانيا: احترام جميع المؤسسات لجميع القواعد. تقول الكتب المتخصصة في الحكم الرشيد إنه لا ينبغي أن يكون هناك احترام انتقائي لبعض القواعد علي حساب البعض الآخر، وهو ما يؤدي عادة إلي أن تكبر كرة الثلج حتي يكون احترام القواعد هو الاستثناء، فلا تكون هذه القواعد نوعا من الشعارات السياسية وإنما أن تكون جزءا من قواعد الجهاز الإداري والتنفيذي ويراقبها الجهاز القضائي، وتكون الدولة ذاتها أول من يحترمها، والمشكلة التي تواجهنا في مصر وجود العديد من أحكام المحاكم التي لم تنفذ والتي تبدو معها السلطة التنفيذية كأول من لا يحترم القانون، كل القانون. ولكن المشكلة تتمثل أيضا في عدم حرص مجلس الشعب علي أن يكون فوق مستوي الشبهات أمام الشعب، فالأولي باحترام قواعد العدالة هم القائمون علي التشريع باسم العدالة نفسها، وهذا ما يضع مجلس الشعب المصري في مأزق المادة 93 الخاصة بحق مجلس الشعب في الفصل في صحة عضويته بعد الاطلاع علي تقارير محكمة النقض، وعلي هذا يكون المجلس خصما وحكما في صحة عضوية أعضائه علي نحو يتيح للأغلبية الحق في التخلص من القوي النابضة في المعارضة ومن ثم تدجين الكثير من العناصر التي لها حصانة برلمانية بحكم المنصب وفقا للدستور. بل إن الإبقاء علي هذه المادة دون تعديل يعطي للأغلبية في المجلس ضمنا الحق في الاحتفاظ بأعضاء نعلم يقينا أن هناك مؤاخذات كثيرة علي الطريقة التي انتخبوا بها بحكم صدور تقارير قضائية تدينهم، فيصبح المشرع الحكيم المسئول عن إصدار قوانين نزيهة تحكم المجتمع في موقع مؤاخذة بحكم عدم نزاهته في الوصول إلي مقعد البرلمان. ولست مغاليا إن قلت إن تعديل هذه المادة وحدها بحيث يكون اختصاص محكمة النقض أو غيرها من المحاكم العليا هو الفيصل في استمرار عضوية عضو مجلس الشعب كانت كفيلة بأن تعيد لقيمة العدالة مكانتها في النظام السياسي المصري. فالتزوير وشراء الأصوات ما كان ليضمن لمرشح مقعدا لو أن كل مزيف أو مزور يفقد مقعده بعد افتضاح أمره وثبوت التزوير عليه بحكم قضائي. ثالثا: ثقافة عامة تضمن ثقة المواطنين في القواعد واحترام القائمين عليها. والآفة الكبري حينما تكون الجهة التي تسن القوانين «مجلس الشعب»، ينظر إليها من قبل البعض علي أنها "كومبارس" مع اعتذارنا لحدة التعبير الذي استخدمه مثقفون آخرون لكن مجلس الشعب في سلوكه أعطي الدليل، وليس فقط القرينة - علي أن إرادته لا تحظي بالاستقلال عن إرادة رئيس الدولة. ويكفي الإشارة إلي الاتصال التليفوني الرئاسي في 14 يونيو 2005 حينما كان يناقش المجلس قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية. وكان مطلب المعارضة والمستقلين أن يكون من ضمن شروط الترشح لمنصب الرئاسة تأدية الخدمة العسكرية وألا يكون مزدوج الجنسية وأن يقدم إقرار الذمة المالية. وقد تباري أعضاء من حزب الأغلبية في الدفاع عن القانون كما هو وكأنه قرآن نزل من السماء عليهم رغم أن التعديلات المقترحة كلها تصب في مصلحة الوطن بأي تعريف ممكن لمصلحة الوطن، لكن مصلحة شخص النائب و/أو مصلحة الحزب كانت لها الأولوية. وقد احتاج المجلس الموقر اتصالا تليفونيا من السيد الرئيس كي يذكرهم، فيما يشبه أمرا رئاسيا، بأن لمصلحة الوطن اعتبارا أيضا.
فأنا أسأل: لو قرر رئيس الجمهورية - وهو ما لا يتوقعه عاقل في ظل الرئاسة الحالية - أن يبيع الدلتا أو أن يؤجر سيناء، هل سيظل حزب الأغلبية يؤيد قراراته من قبيل الطاعة؟

Saturday, November 17, 2007

من يتحمل مسؤولية توشكي وأخواتها؟

أسامة هيكل

لا خلاف علي ضرورة إنشاء محطات نووية مصرية لتوليد الكهرباء. بل إن الفكرة تأخرت كثيرا عن موعدها الطبيعي، الذي كان مقررا له الثمانينيات من القرن الماضي. وليس مهما إذا كان الرئيس مبارك يهدف من قراره إلي السعي لمجد شخصي، أو تسجيل فقرة في سجل التاريخ باسمه، فلا مانع أن يأخذ الرئيس حقه في هذا، مادام أنه الذي اتخذ القرار الاستراتيجي، الخاص بإنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء.
وليس مهما إذا كانت الفكرة قد نشأت من فكر الرئيس شخصيا، أو من فكر أمانة السياسات بالحزب الوطني. وليس مهما إذا كانت الولايات المتحدة هي التي أعطت الضوء الأخضر لمصر، أو أن مصر هي التي اتخذت القرار أولاً، ثم باركتها الولايات المتحدة. وليس مهما مصدر الوقود النووي المستخدم في المحطات النووية المصرية، أو إلي من سيتم تسليمه بعد تشغيله.
المهم فقط أن الفكرة خرجت.. وأنها أعلنت كضرورة استراتيجية لمصر، في ظل أزمة الطاقة العالمية، المتوقعة خلال السنوات المقبلة والتي ستتأثر بها مصر سلبا.. والمهم أيضا أن تكون الفكرة مدروسة دراسة وافية ومحكمة ودقيقة، وألا تكون مجرد مغامرة فاشلة يصفق لها الناس، ثم لايجدون شيئا في أيديهم مثلما حدث في مشروعات توشكي وشرق التفريعة وشمال غرب خليج السويس.
وقد لفت نظري الأسلوب، الذي ألقي به الرئيس مبارك خطابه يوم ٢٩ أكتوبر الماضي بمحطة كهرباء شمال القاهرة.. فقد أعلن بحزم وحسم ووضوح أنه يتحمل مسؤوليته كرئيس للجمهورية عن هذا القرار الاستراتيجي.. وهذا يعني ببساطة أن الرئيس درس وناقش واطلع علي مختلف الآراء ثم اتخذ القرار، الذي يوصف بأنه استراتيجي، والذي نؤيده تماما.. ولكن السؤال: من الذي يتحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية عن مشروعات توشكي وشرق التفريعة وخليج السويس؟
لقد أهدرت مصر مليارات لم يكن الحصول عليها سهلا علي الإطلاق.. وتبين أنها أنفقت علي مغامرات غير محسوبة.. رفضها الخبراء وأعلنوا رأيهم القاطع في هذه المشروعات، وفق دراسات علمية.. ولكن القرار كان متخذا، والتراجع كان عيبا من وجهة نظر الحكومة آنذاك.. وأصرت الحكومة علي التنفيذ.. فجاء الفشل المتوقع وأصبح حليفا لهذه المشروعات، التي لم تضف مليما لخزينة الدولة، وبدلا من أن تكون هذه المشروعات دافعة للاقتصاد المصري، أصبحت عبئا علي الميزانيات المتتالية، وتلجأ الحكومات لتدبير العجز عن طريق فرض ضرائب جديدة علي المواطنين، الذين يعانون أصلا من الغلاء ونقص الرواتب والدخول.. أي أن الفشل يدفع ثمنه المواطن وليس المسؤول عن هذا الفشل.
والتاريخ لا يسجل مرحلة حكومة الدكتور الجنزوري أو حكومة الدكتور عبيد، أو حكومة الدكتور نظيف كل علي حدة.. ولكن التاريخ سيتحدث عن فترة حكم الرئيس مبارك كفصل واحد من فصول هذا التاريخ، تماما كما نتحدث الآن عن حكم الرئيس السادات وحكم الرئيس عبد الناصر.. وربما لن يتذكر أحد اسم رئيس أي حكومة من هذه الحكومات بعد عدة سنوات. ومعني هذا أن كل هذه المشروعات الفاشلة سيتحمل مسؤوليتها التاريخية الرئيس مبارك أيضا.. فهو الذي يتحمل المسؤولية التاريخية، سواء أعلن ذلك في خطاب عام أم لم يعلن.. فهو الرئيس.. ومانعيشه حاليا هو فترة حكم مبارك.. فهل معني إعلان الرئيس مبارك تحمل المسؤولية التاريخية عن إقامة المحطات النووية السلمية أنه يتبرأ من المشروعات السابقة التي فشلت؟
لو كنت مكان الرئيس مبارك لأمرت بالتحقيق فورا مع كل مسؤول أو مستشار أعطاه النصيحة بالدخول في هذه المشروعات الفاشلة مثل توشكي وشرق التفريعة وخليج السويس.. ولو كنت مكان الرئيس لاستبعدت كل مسؤول أشار عليه بزيارة هذه المواقع مرات ومرات لترسيخ علاقته ومسؤوليته عنها.. فتوشكي لم تنتج «خيارة» تسد جزءاً من الفجوة الغذائية في مصر، رغم الإنفاق ببذخ عليها.. ومشروع تنمية شمال غرب خليج السويس لم يؤد إلي تنمية حقيقية رغم وجاهة الفكرة، فقد باعت حكومة الجنزوري المتر الواحد في هذه المنطقة الاستراتيجية بخمسة جنيهات لكل مستثمر.. وبعد أيام قليلة كان يمكن لكل منهم أن يبيع المتر نفسه بسبعين جنيها، ولكنهم لم يبيعوا فالأسعار تتزايد وتتزايد لدرجة صعوبة تحديد قيمتها الفعلية حاليا، ولم يشعر أحد بأي تأثير في الإنتاج الصناعي من هذا المشروع رغم كل الإهدار الذي تم عليه.. وقد تحول هذا المشروع الحيوي لأحد أهم مشروعات تجارة وتسقيع الأراضي في مصر.
لو كنت مكان الرئيس لأمرت بسحب هذه الأراضي التي لم يستثمرها المستثمرون بسبب سياسات حكومية فاشلة علي مدي ١٠ سنوات، وإعادتها للدولة فورا.. فمن بين مسؤوليات الرئيس التي يحاسبه عليها التاريخ، الموارد التي سيتركها للأجيال القادمة حتي يتمكنوا من تحقيق تنمية. وهذه الأرض من حق هذه الأجيال مادمنا لم ننشئ لهم فيها مشروعات تدر عائداً علي الدولة.
بكل أسف، لقد تأخرت خطوة إنشاء محطات نووية لتوليد الكهرباء في مصر.. وقد بحت أصوات الكتاب والصحفيين والمثقفين والسياسيين المعتدلين سنوات طوالا للمطالبة بهذا المشروع الاستراتيجي.. وبكل أسف، فإننا ضيعنا سنوات وأهدرنا مليارات الجنيهات في مشروعات قيل عنها وقت تدشينها إنها قومية.. فمن سيتحمل المسؤولية التاريخية عنها؟

Friday, November 16, 2007

أهمية الخروج علي النص والسيناريو‏

مفيد فوزي

نحن نحيا في زمن متغير لاهث الايقاع‏,‏ ولسنا سوي دمي في يد العولمة‏.‏‏

نحن نستهلك التكنولوجيا أكثر من أن نشارك في صنعها‏(28‏ مليون موبايل‏)!‏‏

‏ العالم من حولنا انطلق كرمح نحو المستقبل ونحن مازلنا نناقش هل كان فاروق ملكا فاسدا أم أفسدوه؟‏!‏ نحن مغرمون صبابة بالكلام أكثر من العمل‏,‏ نحن مازلنا ننتمي لجدول الضرب وبعض من جيراننا تجاوزوه وجاوروا الأفق‏.‏‏*‏ رأينا الدنيا علي الشاشات الملونة فارتفع سقف تطلعاتنا الاستهلاكية‏,‏ كان المتوقع أن نغار علي بلادنا ونحرث الأرض والبحر‏,‏ لكننا انكمشنا وتسمرنا في مكاننا وعادينا الجديد لأننا نجهله وصرنا نعزف لحن الشكوي بلذة ونوزع بمتعة الاتهامات‏,‏ ونوجه سهامنا الطائشة للحكم والحكومات‏.‏

علي الكراسي مسئولون يحافظون علي مواقعهم‏,‏ والمثقفون مشغولون بذواتهم وممارسة التنظير بالسيجار الكوبي‏,‏ والصحفيون يلعبون علي سلم النقابة لعبة التحطيب‏,‏ ورجال الأعمال ينشئون قنوات فضائية تعبر عنهم وعن مصالحهم والطبقة الوسطي ـ التي أعلنوا وفاتها ـ مغموسة في الرزق ففي البيت أفواه مفتوحة ولا يهمها من الحياة سوي التزامها نحو‏(‏ الولية والعيال‏),‏ هؤلاء هم موتور البلد لكنه يشكو الصدأ واعتاد أن يهنج‏,‏ والمجتمع المدني يسهم ولكن باستحياء‏,‏ وعواجيز البلد ـ في نادي الجزيرة ـ يمارسون رياضتهم المفضلة الانتقاد والسخرية من الأوضاع‏,‏ والفلاحون سقطوا سهوا من الاهتمام والصعيد يريد أن يصدق نيات الدولة الطيبة نحوهم‏.‏‏

تسمرنا في مقاعدنا‏,‏ صرنا أسري القوالب‏,‏ صار الخروج من القالب مروقا‏,‏ صار الفكر غير التقليدي شغبا وصاحبه مجنون يهذي‏,‏ أصبحت القيود غير مرئية ولكنها قائمة تسندها فتوي من هنا وشطحة من هناك‏,‏ صار الجمود سمتنا والمشكلات تستفحل وكل صاحب رؤية مخبول اذا خرج علي النص والسيناريو مع أن الخروج علي النص والسيناريو هو صمام الأمان من تخلف وجاهلية تعشش في العقول وتعود بنا الي عهود الانحطاط والعالم من حولنا همش التفاهات والنفايات واحترم الماضي وتخلص من عبوديته وصار يحلق في التقدم بجناحيه‏,‏ تلك الجسارة مطلوبة لمصر البلد العربي الإفريقي‏,‏ وبدون هذه الجسارة سوف نشحت احترام العالم من علي أرصفة الزمن لنتأمل مشكلاتنا وحلولنا التقليدية ونصل الي قرار انها حلول غير مجدية‏

عندما ذهب وزير المالية يوسف بطرس ومعه قانون جديد للضرائب يعرضه علي رئيس الدولة لاقراره‏,‏ خرج علي النص والسيناريو وادرك متغيرات العالم ولم يكن نمطيا‏,‏ وكان للقانون صدي شعبي ملموس‏.‏انها ـ بلغة السياسة ـ مبادرات‏,‏ والمبادرة خروج علي قضبان التقليدية والأعراف المتخلفة‏,‏ هل هناك مقاومة لهذه المبادرات والخروج علي النص والسيناريو؟ الاجابة بفم مليان‏:‏ نعم‏!‏ هل هناك مصالح لمن يقاومون المبادرات؟ الاجابة بفم مليان‏:‏ نعم‏!‏ هل‏(‏ المشروع القومي‏)‏ الذي يجمع حوله الناس غائب؟ الإجابة‏:‏ نعم‏!

إن من يلقي حجرا في البحيرة ليحرك مياهها الراكدة هو‏(‏ المواطن‏)‏ الذي يستحق رتبة‏(‏ المواطنة‏),‏ أما من يجلس علي حافة البحيرة متفرجا سلبيا‏,‏ فهو مواطن في أمة من الغنم‏.