د. إبراهيم السايح
لا أحد في مصر أو خارجها يهتم بقياس درجة «الجبلنة» لدي أي شخص يقبل التواجد كوزير أو مسئول سياسي أو رئيس وزراء في دولة الرئيس حسني مبارك، فالسيد الرئيس سالف الذكر اعتاد طوال عهده ـ أو عهوده ـ عدم احترام السادة الوزراء والسادة رؤساء الحكومات كلما اتخذ أحدهم قراراً دون الرجوع إليه، وأحياناً يطيح سيادته
بقرارات اتخذوها تقرباً منه ونفاقاً له ولنظامه.رئيس الوزراء كمال الجنزوري ذهب إلي غير رجعة حين حاول ممارسة بعض اختصاصات منصبه دون الاسترشاد المباشر والصريح والمعلن بتوجيهات وأوامر السيد الرئيس السيد وزير العدل الحالي قام الرئيس بإلغاء بعض القرارات التي اتخذها تنكيلاً بالقضاة لصالح النظام!!
السيد وزير الزراعة السابق تمت إقالته لأنه حاول تنفيذ بعض السياسات التي تحقق مصالح الدولة والشعب علي حساب التوجهات الاستراتيجية لنظام حسني مبارك.السيد وزير التموين الأسبق أطاح به الرئيس لأنه كان يبدو منحازاً للفقراء حريصاً علي دعمهم ولو علي حساب إخوانه وأسياده المستثمرين والمحتكرين.السيد وزير المالية الأسبق لفقوا له قضية وسجنوه لأنه لم يكن متعاوناً مع الكبار وأصحاب الشأن بالقدر المطلوب.
السيد وزير الزراعة الحالي اتهمه الرئيس بالجهل والفشل ورغم هذا لم نسمع عن إقالته أو استقالته.والسيد رئيس الحكومة الحالي أعلن منذ عدة أيام أن حكومته سوف تنشئ عاصمة بديلة للقاهرة ثم أعلن الرئيس في اليوم التالي أن هذا الكلام غير صحيح وأن الحكومة مكلفة حالياً «بمشروع» العدل الاجتماعي دون سواه!!
لم تحدث طوال عهد الرئيس مبارك حالة غضب أو استقالة من جانب أي وزير أو مسئول ممن تعرضوا لإهانات معلنة من السيد الرئيس ولم يجرؤ مسئول واحد ـ باستثناء الدكتور يحيي الجمل ـ علي إعلان خلافه أو اختلافه مع الرئيس حتي بعد الإقالة والخروج النهائي من خدمة النظام.التعاون مع النظام المصري في عهد الرئيس مبارك يتطلب عقداً اجتماعياً فريداً يتنازل المسئول بمقتضاه عن شخصيته ومبادئه وأفكاره ورؤيته وجانب كبير من حريته وكرامته لصالح النظام. والمشكلة أن النظام المصري ليس الرئيس وحده، ولكنه يشمل إلي جانب الرئيس جهات سيادية أخري مثل الديوان الرئاسي والجهات الرقابية والأمنية والسياسية المتصلة مباشرة برئاسة الجمهورية، فضلاً عن الصحف القومية التي تخاطب الرئيس وأجهزته علي حساب أي شخص أو أي شيء آخر، هذا إلي جانب السادة كبار المستثمرين والسادة كبار السفراء والسادة كبار العائلة!!
وفي مثل هذه الأجواء عليك ـ أخي المواطن الكحيان ـ أن تقبل يديك وقدميك وتسجد شكراً لله لأنك خارج حسابات القصر الجمهوري، فالمواجهة مع ضابط أو أمين شرطة أهون بكثير من مواجهة أنصاف الآلهة!!
Monday, November 26, 2007
Saturday, November 24, 2007
كله دردشة وكلام
د.طارق الغزالى حرب
منذ ما يقرب من عشرين عاماً، والشعب المصري يطالع ويسمع يومياً تعبيرات ضخمة كبيرة وتنويهات عن خطط وعن برامج ودراسات في جميع أوجه الحياة علي أرض المحروسة.. في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والإسكان وغيرها.. واعتمدت الحكومات المتعاقبة طوال السنين علي حالة التوهان وفقدان الذاكرة والسلبية التي أصابت الغالبية العظمي من جماهير الشعب المصري في العقود الأخيرة..
فصارت تكرر الكلام عن البرامج الطموحة والمستقبلية كل عدة سنوات حول نفس الموضوعات تقريباً ولا يلمس معظم الناس شيئاً حقيقياً علي أرض الواقع.. بل علي العكس ربما زادت أمورهم تدهوراً وانحداراً في مناح كثيرة يأتي علي رأسها التعليم بجميع أنواعه، ومعظم الخدمات وأساسيات الحياة الإنسانية السليمة كمياه الشرب والصرف الصحي والسكن والعلاج ووسائل النقل، وحظيت بالتأكيد قلة قليلة من أفراد هذا الشعب بمستوي من المعيشة والخدمات لا يقل عما تتمتع به مجتمعات الأغنياء في الغرب والشرق..
وكنت دائماً أسأل نفسي: تري ما سر عدم تنفيذ هذه الوعود البراقة والآمال العريضة التي ظل وزراؤنا المتعاقبون يشنفون بها آذاننا سنوات وسنوات ولم نر أثراً لها علي أرض الواقع، إلي أن حدث ما حدث في الأيام القليلة الماضية، ورأينا الصحف تنشر في صفحاتها الأولي بشري انتهاء حكومتنا السنية من دراساتها لإنشاء عاصمة جديدة لمصر.. تلك الأخبار التي استقبلها جميع أفراد الشعب، غنيهم وفقيرهم بقدر كبير من السعادة والارتياح، لأن الجميع يعيش يومياً حياة قاسية يندر أن يكون لها مثيل علي وجه الأرض في تلك العاصمة التي صارت بالفعل قاهرة للصحة والنظافة والجمال بل للعقل والنفس البشرية، استبشر الجميع خيراً ورأي البعض أنها ربما تكون نقطة البداية لمشروع قومي كبير يخلص الملايين من أبناء هذا الشعب المنكوبين من جحيم العيش علي أرض المحروسة..
ولكن لم تكد تمر ٤٨ ساعة حتي فاجأ الرئيس الجميع بكلمات صادقة، وجدت فيها التفسير لسؤالي، والتعبير الحقيقي عن كل ما كنا نسمعه طوال عقود مضت..
لقد قال الرئيس عما نقلته الصحف عن السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشوري وعما وصل إليه من دراسات أتمتها الحكومة، إنه «مجرد دردشة وكلام»!! لم أجد أصدق من هذا التعبير في وصف الوعود ومعسول الكلام الذي يتصدر عناوين صحفنا القومية وإعلامنا الحكومي مراراً وتكراراً.. لقد نقلت الصحف الحكومية منذ أسابيع قليلة أحاديث عن أحلام فئة ما في قمة السلطة حول عزمهم علي أن تكون القاهرة عاصمة الشرق وأفريقيا قبل منتصف هذا القرن..
ثم فوجئنا بأن هناك فئة أخري في قمة السلطة أيضاً تتحدث عن عاصمة جديدة!!، وأخيراً انجلت الحقيقة ناصعة بأن كله «دردشة وكلام»!! تحدثوا عن مشروع قومي للتعليم وعن أن التسعينيات ستكون «عقداً للتعليم»، وعن الإتاحة والجودة وعن.. وعن.. وليته ظل حال التعليم كما هو، بل يزداد سوءاً وانحداراً، وصرنا نجد الحاصل علي الشهادة ولا يجيد كتابة اسمه والذين يتخرجون ولا يعرفون شيئاً، وانحدرت اللغة العربية إلي الحضيض، واحتل المدرسون الخصوصيون البيوت في المدن والقري وصارت المدارس حجراً وبشراً أكذوبة كبري نخادع بها أنفسنا.. فأدركت بعد كلمات الرئيس أن ما كنا نسمعه طوال عشرين عاماً مضت لم يكن أكثر من «دردشة وكلام»!!
إن الأمثلة كثيرة وأكثر من أن تعد وتحصي، ولكني اخترت مجال التعليم كمثال، لأنه أساس البلوي وسرها!!، أخشي ما أخشاه أن يكون الحديث الذي ذاع صيته منذ عام مضي عن دخول عصر الطاقة النووية هو من قبيل هذه الدردشة، وأن يكون كذلك الحديث عن قانون جديد للتأمين الصحي يغطي أبناء الوطن كلهم، غنيهم وفقيرهم.. لأن بصراحة شديدة هذه المشروعات الكبيرة تحتاج لتمويل ضخم، ولجهد وتضحيات، لا يقدر عليها النظام الحالي.. فطموحاته مازالت - وبعد أكثر من نصف قرن من قيام ثورة يوليو - لا تزيد علي تحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر والجهل والمرض!! بالله عليكم ألم تكن هذه هي طموحاتنا في السنوات السابقة للثورة بالإضافة إلي تحقيق الاستقلال التام.. يا إلهي.. أكثر من نصف قرن ومازالت طموحاتنا وآمالنا عند الحد الأدني!! ليرحمنا الله..
منذ ما يقرب من عشرين عاماً، والشعب المصري يطالع ويسمع يومياً تعبيرات ضخمة كبيرة وتنويهات عن خطط وعن برامج ودراسات في جميع أوجه الحياة علي أرض المحروسة.. في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والإسكان وغيرها.. واعتمدت الحكومات المتعاقبة طوال السنين علي حالة التوهان وفقدان الذاكرة والسلبية التي أصابت الغالبية العظمي من جماهير الشعب المصري في العقود الأخيرة..
فصارت تكرر الكلام عن البرامج الطموحة والمستقبلية كل عدة سنوات حول نفس الموضوعات تقريباً ولا يلمس معظم الناس شيئاً حقيقياً علي أرض الواقع.. بل علي العكس ربما زادت أمورهم تدهوراً وانحداراً في مناح كثيرة يأتي علي رأسها التعليم بجميع أنواعه، ومعظم الخدمات وأساسيات الحياة الإنسانية السليمة كمياه الشرب والصرف الصحي والسكن والعلاج ووسائل النقل، وحظيت بالتأكيد قلة قليلة من أفراد هذا الشعب بمستوي من المعيشة والخدمات لا يقل عما تتمتع به مجتمعات الأغنياء في الغرب والشرق..
وكنت دائماً أسأل نفسي: تري ما سر عدم تنفيذ هذه الوعود البراقة والآمال العريضة التي ظل وزراؤنا المتعاقبون يشنفون بها آذاننا سنوات وسنوات ولم نر أثراً لها علي أرض الواقع، إلي أن حدث ما حدث في الأيام القليلة الماضية، ورأينا الصحف تنشر في صفحاتها الأولي بشري انتهاء حكومتنا السنية من دراساتها لإنشاء عاصمة جديدة لمصر.. تلك الأخبار التي استقبلها جميع أفراد الشعب، غنيهم وفقيرهم بقدر كبير من السعادة والارتياح، لأن الجميع يعيش يومياً حياة قاسية يندر أن يكون لها مثيل علي وجه الأرض في تلك العاصمة التي صارت بالفعل قاهرة للصحة والنظافة والجمال بل للعقل والنفس البشرية، استبشر الجميع خيراً ورأي البعض أنها ربما تكون نقطة البداية لمشروع قومي كبير يخلص الملايين من أبناء هذا الشعب المنكوبين من جحيم العيش علي أرض المحروسة..
ولكن لم تكد تمر ٤٨ ساعة حتي فاجأ الرئيس الجميع بكلمات صادقة، وجدت فيها التفسير لسؤالي، والتعبير الحقيقي عن كل ما كنا نسمعه طوال عقود مضت..
لقد قال الرئيس عما نقلته الصحف عن السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشوري وعما وصل إليه من دراسات أتمتها الحكومة، إنه «مجرد دردشة وكلام»!! لم أجد أصدق من هذا التعبير في وصف الوعود ومعسول الكلام الذي يتصدر عناوين صحفنا القومية وإعلامنا الحكومي مراراً وتكراراً.. لقد نقلت الصحف الحكومية منذ أسابيع قليلة أحاديث عن أحلام فئة ما في قمة السلطة حول عزمهم علي أن تكون القاهرة عاصمة الشرق وأفريقيا قبل منتصف هذا القرن..
ثم فوجئنا بأن هناك فئة أخري في قمة السلطة أيضاً تتحدث عن عاصمة جديدة!!، وأخيراً انجلت الحقيقة ناصعة بأن كله «دردشة وكلام»!! تحدثوا عن مشروع قومي للتعليم وعن أن التسعينيات ستكون «عقداً للتعليم»، وعن الإتاحة والجودة وعن.. وعن.. وليته ظل حال التعليم كما هو، بل يزداد سوءاً وانحداراً، وصرنا نجد الحاصل علي الشهادة ولا يجيد كتابة اسمه والذين يتخرجون ولا يعرفون شيئاً، وانحدرت اللغة العربية إلي الحضيض، واحتل المدرسون الخصوصيون البيوت في المدن والقري وصارت المدارس حجراً وبشراً أكذوبة كبري نخادع بها أنفسنا.. فأدركت بعد كلمات الرئيس أن ما كنا نسمعه طوال عشرين عاماً مضت لم يكن أكثر من «دردشة وكلام»!!
إن الأمثلة كثيرة وأكثر من أن تعد وتحصي، ولكني اخترت مجال التعليم كمثال، لأنه أساس البلوي وسرها!!، أخشي ما أخشاه أن يكون الحديث الذي ذاع صيته منذ عام مضي عن دخول عصر الطاقة النووية هو من قبيل هذه الدردشة، وأن يكون كذلك الحديث عن قانون جديد للتأمين الصحي يغطي أبناء الوطن كلهم، غنيهم وفقيرهم.. لأن بصراحة شديدة هذه المشروعات الكبيرة تحتاج لتمويل ضخم، ولجهد وتضحيات، لا يقدر عليها النظام الحالي.. فطموحاته مازالت - وبعد أكثر من نصف قرن من قيام ثورة يوليو - لا تزيد علي تحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر والجهل والمرض!! بالله عليكم ألم تكن هذه هي طموحاتنا في السنوات السابقة للثورة بالإضافة إلي تحقيق الاستقلال التام.. يا إلهي.. أكثر من نصف قرن ومازالت طموحاتنا وآمالنا عند الحد الأدني!! ليرحمنا الله..
Friday, November 23, 2007
نصائح الرئيس مبارك ثمينة
د. محمد السيد سعيد
يجتمع الرؤساء والملوك العرب كثيرا ويصغون لنصائح الرئيس مبارك ويذهبون لحال سبيلهم ولا يفعلون شيئا حيال أزماتهم وعلاقاتهم الدولية المضطربة. وتصغر مصر في عيونهم علي نحو متواصل لأنهم لا يحصلون منها إلا علي النصائح كلما توقعوا منها قيادة حقيقية للعرب وسط عواصف السياسة الدولية.
ولابد أن نعترف بأن نصائح الرئيس مبارك ثمينة جدا. ومشكلتها الوحيدة أن السياسة الخارجية لا تتحرك بالنصائح وحدها. بل يجب أن يكون وراءها رؤية وقيم كبري وقوة حقيقية تساند أهداف السياسة الخارجية. وفي العالم العربي لدي الجميع نصائح وأحكام ثمينة جدا أيضا.. وغايتها جميعا: لا تفعلوا شيئا وخافوا من قوة الأمريكان.وبعض إخوتنا العرب يحبون نصائح الرئيس مبارك كثيرا لأنهم يخشون طائرات الأمريكان أو يحبون دولاراتهم.
والحمد لله أن بعض إخوتنا العرب لم يصغوا للنصائح الثمينة للرئيس مبارك وناضلوا ضد الظلم الأمريكي بقدر ما تسعفهم الإمكانيات. فحزب الله ألحق بإسرائيل الهزيمة الوحيدة التي تلقتها في حروبها ضد العرب حتي الآن. وإخوتنا العراقيون يلحقون بقوات الغزو الأمريكية خسائر يومية فادحة لن تضطرهم للانسحاب يوما ما فحسب بل قد تجبرهم علي إعادة صوغ سياساتهم الدولية المغرورة والعدوانية، ورغم أن الانتفاضة الفلسطينية هبطت قليلا بسبب تخلي العرب عنها فهي تثبت قدرة الشعب الفلسطيني علي النضال الشاق لمئات الأعوام.
وببساطة لم يصغ جميع العرب لنصائح الرئيس مبارك التي تنضح بالسلبية وتعترف بالعجز عن التأثير علي مجري السياسة الدولية وتشكك في المقاومة وتنتظر الفرج من أمريكان "عاقلين" يؤمنون بنصائح الرئيس مبارك!وفي حدود علمنا لم يتوافر هؤلاء الأمريكان بعد بأعداد كافية في مواقع اتخاذ القرار. فالكونجرس بأسره يؤيد إسرائيل تأييدا أعمي وأبرص وأكتع. والإدارة الديمقراطية المقبلة قد لا تكون أفضل كثيرا من الإدارة الجمهورية الحالية، والإعلام بقيادة "فوكس نيوز" يكن احتقارا شديدا للعرب. باختصار ليست هناك فرصة كبيرة في أن يستمع الأمريكان لنصائح الرئيس مبارك، ولا يهمهم سوي الحسابات المادية لموازين القوي.
ومشكلة السياسة الخارجية المصرية أنها ليس لديها موارد قوة تحولها من نصائح ورغبات إلي ضغوط ونضالات.
يجتمع الرؤساء والملوك العرب كثيرا ويصغون لنصائح الرئيس مبارك ويذهبون لحال سبيلهم ولا يفعلون شيئا حيال أزماتهم وعلاقاتهم الدولية المضطربة. وتصغر مصر في عيونهم علي نحو متواصل لأنهم لا يحصلون منها إلا علي النصائح كلما توقعوا منها قيادة حقيقية للعرب وسط عواصف السياسة الدولية.
ولابد أن نعترف بأن نصائح الرئيس مبارك ثمينة جدا. ومشكلتها الوحيدة أن السياسة الخارجية لا تتحرك بالنصائح وحدها. بل يجب أن يكون وراءها رؤية وقيم كبري وقوة حقيقية تساند أهداف السياسة الخارجية. وفي العالم العربي لدي الجميع نصائح وأحكام ثمينة جدا أيضا.. وغايتها جميعا: لا تفعلوا شيئا وخافوا من قوة الأمريكان.وبعض إخوتنا العرب يحبون نصائح الرئيس مبارك كثيرا لأنهم يخشون طائرات الأمريكان أو يحبون دولاراتهم.
والحمد لله أن بعض إخوتنا العرب لم يصغوا للنصائح الثمينة للرئيس مبارك وناضلوا ضد الظلم الأمريكي بقدر ما تسعفهم الإمكانيات. فحزب الله ألحق بإسرائيل الهزيمة الوحيدة التي تلقتها في حروبها ضد العرب حتي الآن. وإخوتنا العراقيون يلحقون بقوات الغزو الأمريكية خسائر يومية فادحة لن تضطرهم للانسحاب يوما ما فحسب بل قد تجبرهم علي إعادة صوغ سياساتهم الدولية المغرورة والعدوانية، ورغم أن الانتفاضة الفلسطينية هبطت قليلا بسبب تخلي العرب عنها فهي تثبت قدرة الشعب الفلسطيني علي النضال الشاق لمئات الأعوام.
وببساطة لم يصغ جميع العرب لنصائح الرئيس مبارك التي تنضح بالسلبية وتعترف بالعجز عن التأثير علي مجري السياسة الدولية وتشكك في المقاومة وتنتظر الفرج من أمريكان "عاقلين" يؤمنون بنصائح الرئيس مبارك!وفي حدود علمنا لم يتوافر هؤلاء الأمريكان بعد بأعداد كافية في مواقع اتخاذ القرار. فالكونجرس بأسره يؤيد إسرائيل تأييدا أعمي وأبرص وأكتع. والإدارة الديمقراطية المقبلة قد لا تكون أفضل كثيرا من الإدارة الجمهورية الحالية، والإعلام بقيادة "فوكس نيوز" يكن احتقارا شديدا للعرب. باختصار ليست هناك فرصة كبيرة في أن يستمع الأمريكان لنصائح الرئيس مبارك، ولا يهمهم سوي الحسابات المادية لموازين القوي.
ومشكلة السياسة الخارجية المصرية أنها ليس لديها موارد قوة تحولها من نصائح ورغبات إلي ضغوط ونضالات.
عزف منفرد علي أوتار وطن
مفيد فوزي
ـ هل نكتب لنسلي الناس أم لنملأ مساحات في الصحف أم لنعبر عن أنفسنا؟ وهل للكتابة جدوي؟ وهل مازال الناس يقرأون أم انصرفوا الي ما هو أكثر ابهارا.. من الحروف والكلمات؟ وهل يقرأ أولو الأمر ما نكتب اذا مس وترا في المجتمع؟ وهل بإمكان مقال اسقاط حكومة؟! ومتي نلصق تهمة( التقصير) لمسئول؟
ـ لماذا المجتمع في حالة تربص كل للآخر؟ لماذا النجاح متهم؟ لماذا الكراهية قبل الحب دائما؟ لماذا شهوة التنكيل بآخر؟ لماذا الود مشبوه؟ لماذا الصدق كاذب؟ لماذا لقمة العيش تذل أعناق الرجال؟ لماذا الأنانية تعشش في الصدور؟ لماذا نصافح بحذر ونصادق بحذر ونثق بحذر...؟!
ـ لماذا ندس أنوفنا في شئون الآخر؟ لماذا أحكامنا جزافية علي الناس؟ لماذا ذاكرتنا ضعيفة أمام الحسنات ويقظة للسيئات؟ لماذا صار جيراني في حالهم وأنا في حالي؟ لماذا الترابط الأسري تفكك, والتكافل الاجتماعي تصدع, واحترام الكبير تعثر؟ لماذا الزيارات العائلية قلت, والمراسلات علي الورق انقطعت وزهور المودة ذبلت؟ـ أين ذهبت البساطة في المعاملات؟ أين ذهب التسامح الذي نادي به السيد المسيح؟
أين ذهبت قيم الانتماء والعتاب والصفح والعفو عند المقدرة؟ أين ذهبت دقات الباب للاستئذان في الدخول؟ أين ذهب أدب التخلي عن مقعد لحامل أو لمعوق؟ أين ذهبت فضيلة الاجتماع حول المائدة والبدء بالشكر علي هذه النعمة؟ أين ذهبت عادة نوم الأطفال في الثامنة مساء بدلا من السهر مع الكبار للثامنة صباحا؟ أين ذهب احترام الأولاد الصبيان للآباء ولا أقول أين تقبيل اليد؟ أين ذهبت الأذن المصغية من البنات للأمهات؟ هل استغنين عن نصائح الأمهات النكدية؟ أين ضاعت اللمة في البيت المصري حين كان الآباء والأمهات يعرفون ملفات أولادهم وشئونهم الخاصة؟!
ـ أين ذهب الوعي بأمور وطن؟ لماذا انحصر اهتمامنا بذواتنا فقط؟ لماذا ضعف انتماؤنا الي ما تحت الصفر؟ هل ارتبك شبابنا وفقدوا البوصلة واختلط الحابل بالنابل في تاريخنا؟ من الوطني؟ من الانتهازي؟ من الأمين؟ من المقامر؟ ومن الذي باع ومن الذي اشتري؟ هل لدينا رؤية واضحة للغد؟ هل نتحسس مستقبل أيامنا واحفادنا بثقة؟ هل الأمان لبكرة وارد؟ هل هناك قوي ملثمة تسعي للوجود؟ هل نعرف نوع المولود في بطن المجهول؟ هل كرة الأيام تتدحرج دون لجام؟ هل حصان الزمن يجري بنا ونحن مستسلمون؟ هل أيامنا القادمة أقل تعاسة؟ هل هناك فرائض غائبة في منهجنا القومي؟ هل الأيام حبلي بالمفاجآت؟ هل نملك ثقافة إدارة أزمات الوطن؟ هل تأخذنا ـ الي حد الاستغراق ـ اللحظة الآنية؟ـ
من هو المثقف؟ هل المثقف هو الذي دفع بأوراقه الي مطبعة أخرجت له كتبا تحمل اسمه؟ هل المثقف تواصل مع هموم مجتمعه أم مع همومه الخاصة؟ هل هو الذي احترف الظهور علي الشاشات يدلي برأيه في كل قضية من الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني الي طفشان الشباب الي السواحل الأوروبية الي انفلونزا الطيور؟ هل أدي المثقف واجبه نحو المجتمع أم اكتفي بتدبيج مقال أو خطبة مسجوعة؟ هل المثقف هو الذي يعشق أن يكون في الصورة؟ ما دور المثقف حين يري النقابات وقد مزقتها التيارات والمذاهب؟ ما دور المثقف لحماية( الهوية) في بلده؟ بالكلام؟ بالسفر في المؤتمرات والشوبنج؟
ـ في الحياة: هل نأخذ الأشياء بسطحية تجنبا لصدمات متوقعة؟ هل لدينا القدرة علي تهميش التوافه أم هي تسكن جدران عقلنا الباطن؟ هل نقدم للمجتمع أوراق اعتمادنا بالذكاء أم بالتذكي وبالغباء أم بالتغابي؟ هل نواجه( تحولات) الأصدقاء بقبول الواقع وأي دمعة حزن لا؟! هل نقبل ـ بصدر رحب ـ مشاعر الغيرة والحسد والحقد؟ هل نمضي في مشوارنا ولا نلتفت خلفنا لنداء أو استغاثة أو استجداء ويحكمنا( اتق شر من أحسنت إليه)؟ هل نقبل بصدر رحب معادلات الحياة كما هي أم نجهد النفس في التمحيص والتحليل؟ هل يحقق( الاستغناء) قدرا من الراحة بعيدا عن مهاترات وصراعات رخيصة؟ وماذا يفيد الانسان ـ كما جاء في الانجيل ـ لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!
ـ هل نكتب لنسلي الناس أم لنملأ مساحات في الصحف أم لنعبر عن أنفسنا؟ وهل للكتابة جدوي؟ وهل مازال الناس يقرأون أم انصرفوا الي ما هو أكثر ابهارا.. من الحروف والكلمات؟ وهل يقرأ أولو الأمر ما نكتب اذا مس وترا في المجتمع؟ وهل بإمكان مقال اسقاط حكومة؟! ومتي نلصق تهمة( التقصير) لمسئول؟
ـ لماذا المجتمع في حالة تربص كل للآخر؟ لماذا النجاح متهم؟ لماذا الكراهية قبل الحب دائما؟ لماذا شهوة التنكيل بآخر؟ لماذا الود مشبوه؟ لماذا الصدق كاذب؟ لماذا لقمة العيش تذل أعناق الرجال؟ لماذا الأنانية تعشش في الصدور؟ لماذا نصافح بحذر ونصادق بحذر ونثق بحذر...؟!
ـ لماذا ندس أنوفنا في شئون الآخر؟ لماذا أحكامنا جزافية علي الناس؟ لماذا ذاكرتنا ضعيفة أمام الحسنات ويقظة للسيئات؟ لماذا صار جيراني في حالهم وأنا في حالي؟ لماذا الترابط الأسري تفكك, والتكافل الاجتماعي تصدع, واحترام الكبير تعثر؟ لماذا الزيارات العائلية قلت, والمراسلات علي الورق انقطعت وزهور المودة ذبلت؟ـ أين ذهبت البساطة في المعاملات؟ أين ذهب التسامح الذي نادي به السيد المسيح؟
أين ذهبت قيم الانتماء والعتاب والصفح والعفو عند المقدرة؟ أين ذهبت دقات الباب للاستئذان في الدخول؟ أين ذهب أدب التخلي عن مقعد لحامل أو لمعوق؟ أين ذهبت فضيلة الاجتماع حول المائدة والبدء بالشكر علي هذه النعمة؟ أين ذهبت عادة نوم الأطفال في الثامنة مساء بدلا من السهر مع الكبار للثامنة صباحا؟ أين ذهب احترام الأولاد الصبيان للآباء ولا أقول أين تقبيل اليد؟ أين ذهبت الأذن المصغية من البنات للأمهات؟ هل استغنين عن نصائح الأمهات النكدية؟ أين ضاعت اللمة في البيت المصري حين كان الآباء والأمهات يعرفون ملفات أولادهم وشئونهم الخاصة؟!
ـ أين ذهب الوعي بأمور وطن؟ لماذا انحصر اهتمامنا بذواتنا فقط؟ لماذا ضعف انتماؤنا الي ما تحت الصفر؟ هل ارتبك شبابنا وفقدوا البوصلة واختلط الحابل بالنابل في تاريخنا؟ من الوطني؟ من الانتهازي؟ من الأمين؟ من المقامر؟ ومن الذي باع ومن الذي اشتري؟ هل لدينا رؤية واضحة للغد؟ هل نتحسس مستقبل أيامنا واحفادنا بثقة؟ هل الأمان لبكرة وارد؟ هل هناك قوي ملثمة تسعي للوجود؟ هل نعرف نوع المولود في بطن المجهول؟ هل كرة الأيام تتدحرج دون لجام؟ هل حصان الزمن يجري بنا ونحن مستسلمون؟ هل أيامنا القادمة أقل تعاسة؟ هل هناك فرائض غائبة في منهجنا القومي؟ هل الأيام حبلي بالمفاجآت؟ هل نملك ثقافة إدارة أزمات الوطن؟ هل تأخذنا ـ الي حد الاستغراق ـ اللحظة الآنية؟ـ
من هو المثقف؟ هل المثقف هو الذي دفع بأوراقه الي مطبعة أخرجت له كتبا تحمل اسمه؟ هل المثقف تواصل مع هموم مجتمعه أم مع همومه الخاصة؟ هل هو الذي احترف الظهور علي الشاشات يدلي برأيه في كل قضية من الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني الي طفشان الشباب الي السواحل الأوروبية الي انفلونزا الطيور؟ هل أدي المثقف واجبه نحو المجتمع أم اكتفي بتدبيج مقال أو خطبة مسجوعة؟ هل المثقف هو الذي يعشق أن يكون في الصورة؟ ما دور المثقف حين يري النقابات وقد مزقتها التيارات والمذاهب؟ ما دور المثقف لحماية( الهوية) في بلده؟ بالكلام؟ بالسفر في المؤتمرات والشوبنج؟
ـ في الحياة: هل نأخذ الأشياء بسطحية تجنبا لصدمات متوقعة؟ هل لدينا القدرة علي تهميش التوافه أم هي تسكن جدران عقلنا الباطن؟ هل نقدم للمجتمع أوراق اعتمادنا بالذكاء أم بالتذكي وبالغباء أم بالتغابي؟ هل نواجه( تحولات) الأصدقاء بقبول الواقع وأي دمعة حزن لا؟! هل نقبل ـ بصدر رحب ـ مشاعر الغيرة والحسد والحقد؟ هل نمضي في مشوارنا ولا نلتفت خلفنا لنداء أو استغاثة أو استجداء ويحكمنا( اتق شر من أحسنت إليه)؟ هل نقبل بصدر رحب معادلات الحياة كما هي أم نجهد النفس في التمحيص والتحليل؟ هل يحقق( الاستغناء) قدرا من الراحة بعيدا عن مهاترات وصراعات رخيصة؟ وماذا يفيد الانسان ـ كما جاء في الانجيل ـ لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!
Thursday, November 22, 2007
مواقف
أنيس منصور
* لا حرب سعيدة ولا سلام تعيس
* من عاش بلا أمل أصبح الموت هو الأمل!
* القاموس به غلطة واحدة خطيرة: ان كلمة( نجاح) تجيء قبل كلمة( عمل)!
* التأمين علي الحياة: نظام يجعلك تعيش فقيرا وتموت غنيا!
* لا حرب سعيدة ولا سلام تعيس
* من عاش بلا أمل أصبح الموت هو الأمل!
* القاموس به غلطة واحدة خطيرة: ان كلمة( نجاح) تجيء قبل كلمة( عمل)!
* التأمين علي الحياة: نظام يجعلك تعيش فقيرا وتموت غنيا!
المحطات السبع الكبرى في انحطاط المسلمين
د. معتز بالله عبد الفتاح
يحاول هذا المقال أن يقف أمام بعض المحطات التاريخية التي شهدت تراجع الحضارة الإسلامية عن مكانتها الرائدة التي شغلتها في بداياتها. ودون الإغراق في المقدمات فلننفذ إلى محطات أربع في تاريخنا كان لكل منها أثره الممتد حتى يوم الناس هذا، ثم سأعقبها بمحطات ثلاث أخرى في مقال قادم ومعها نظرة على حلول مقترحة عسانا نصوب ما أخطأناه ونتجاوز ما فوتناه.
أولا تراجع الخلافة وسيادة الملك العضوض، تراجع عمر وسيادة معاوية:
لا شك أن منطق تداول الحكم على أساس من الوراثة عكس ما عمل له وعليه السابقون من الخلفاء كان نقطة التراجع الأولى في دولة الإسلام بحكم أنها نقلت موقع أحاد الناس من فاعلين سياسيين يشاركون في أمر الحكم عن طريق البيعة من ناحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ناحية إلى أخرى إلى رعايا لهم الأمان ما أمن الحكام مكرهم. ومن هنا كانت المقولة الشائعة لمعاوية: "لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا." وقد سارت منهجا التزمه اللاحقون. وقد انتزعت الدولة الأموية من الفقهاء المسلمين أنذاك السند الشرعي لطاعة ولي الأمر بغض النظر عن مدى شرعية وصوله للسلطة طالما أنه يلتزم شكلا بقواعد الإسلام واحترامه لطقوسه مثل إقامة الصلاة والدعاء للخليفة على المنبر وتطبيق الحدود والتوسع في جهاد الدفع أي رد أعداء الدولة الإسلامية عنها وجهاد الطلب أي التوسع في حدود الدولة الإسلامية.
ورغما عن أن هذا التحول الخطير في شكل نظام الدولة وأسس شرعية القائمين عليها إلا أن أخطر ما فيه أنه كان مقدمة لتحول في علاقة الدولة بالمجتمع، فبدلا من منطق أن الحاكم خادم للمجتمع المسلم وموظف عام يقوم على شئونه باختيار المجتمع ورضاه، تحول المجتمع إلى تابع للدولة توجهه وتفرض عليه شروطها. فمن عمر الذي كان يقول: " إنما أرسل لكم الولاة خادمين ومعلمين" إلى معاوية الذي قال: "إن لم يكن هذا (أي ابنه يزيد) فهذا (أي السيف)."
مات عمر، ويجلس على عروش الحكم تلاميذ معاوية، رضي الله عنهما.
ثانيا تراجع العالم الناقد لصالح عالم التقية، تراجع ابن حنبل وتقدم ابن معين :
لقد كانت فتنة خلق القرآن الكريم أكثر كثيرا من مجرد اختلاف فلسفي بشأن هل القرآن الكريم مخلوق كرد فعل لحوادث الدنيا، وبالتالي كان من الممكن نظريا أن تتغير بعض آياته لو تصرف أبو لهب على عكس ما تصرف مثلا أم أنه قديم قدم الدهر وكأن الله خلقه أصلا قبل خلق البشر ثم سير الأمور كي تستقيم مع القرآن الكريم. أقول هذا النقاش الفلسفي نفسه كان يمكن أن يمر مرور الكرام كما مر غيره لكنه تحول إلى علامة فاصلة في تاريخ المسلمين من زاويتين على الأقل: فهو أولا قد رسخ نمط السلطة القاهرة في مواجهة عالم الدين المعارض. فكان تعذيب ابن حنبل على يد ثلاثة من خفاء العباسيين درسا وعاه معظم علماء الدين في عصر الفتنة وممن أتوا بعدها. وسار في الإسلام نمطان: نمط شجاعة ابن حنبل المعذب بسبب صلابته في الدفاع عما رآه الحق، وتقية يحي ابن معين الذي قال إن القرآن مخلوق حتى يريح نفسه من العذاب. ويذكر هنا أن يحي بن معين، وهو بحق عالم كبير، دخل على الإمام أحمد رحمه الله وهو مريض فسلم عليه فلم يرد السلام، فما زال يعتذر متعللا بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، فقلب أحمد وجهه على الجانب الآخر ناكرا على ابن معين ما فعل. ويبدو أن الكثير من علماء الدين في الإسلام قد أخذوا عن ابن معين منطقه ونسوا الرسالة الأولى لكل نبي وهو أن يجاهد بالكلمة مهما كلفه الأمر، لأنه قائد رأي عام في مجتمعه وقدوة لمن يسيرون خلفه. وهذا هو ما فعله موسى النبي مع فرعون المستبد، بل فعله كل نبي مع كل جبار، بل هو ما فعله فلاسفة عصر النهضة في أوروبا مع حكامهم المستبدين، وكان بعض هؤلاء الفلاسفة ملحدين، وهو ما حاوله حديثا نساك وعباد بورما حينما سار منهم عشرة ألاف حفاة في الشوارع يقودون المجتمع وينشدون كلمة واحدة يكررونها بوعي وإصرار: "الديمقراطية... الديمقراطية." أما في حياتنا الإسلامية المعاصرة، فتكون كلمة الحق عالية ضد صغائر المواطن متى أخطأ ولا تتخطاه إلى كبائر الحكام متى وقعوا في الخطيئة. مات في الكثير من علمائنا ابن حنبل... ويحي بيننا ابن معين.
ثالثا تراجع العقل وازدهار النقل، تراجع ابن رشد وازدهار الغزالي:
وقد كان لمحنة خلق القرآن مع غيرها من التفاعلات الأخرى أثر آخر امتد طويلا حتى يومنا هذا. هذا الأثر نلمحه في غلبة النص دون اجتهاد في فهمه وتطبيقه على بعض مذاهبنا الفقهية، والتي جعلت الكثرة الغالبة تخشى الذهاب بعيدا عن الاجتهادات الفقهية التي خلفها الأقدمون. فترتب على ذلك نوع من المبالغة في تقدير النص والخوف من العقل المفضي إلى الفتنة بما أخذنا بعيدا عن التوازن المنطقي.. فتأخرنا في كثير من ابتكاراتنا بل وفي قبول الكثير من المبتكرات التي جاءت إلينا من الأمم الأخرى.
وبما أن العقل البشري قد أفضى للتفكير في هذه القضايا من قبيل القرآن قديم أم مخلوق فضلا عن ترجمة عشرات الكتابات من الفلسفة اليونانية القديمة وما ترتب على ذلك من طرح أسئلة لم تكن من السهل التفكير فيها من قبل العقل المسلم آنذاك فقد ساوى بعض الفقهاء بين الفلسفة والزندقة وكان الحل ذا شقين: الأول مزيد من التمسك بالأقوال المنسوبة للرسول (ص) والصحابة العظام والتابعين، ثم من ناحية أخرى ما عرف بغلق باب الاجتهاد.
فعلى مستوى التمسك بالنصوص المنسوبة للرسول (ص) وصحابته تبين لنا لاحقا أن الأغلبية الساحقة من هذا الأقوال ليست بأحاديث تنسب للرسول الكريم. فمثلا يروى أن الحسن البصري قد حفظ 600 ألف حديث، كما قيل إن الإمام أحمد كان يحفظ ألف ألف (أي مليون) حديث ولكنه وضع في مسنده أربعين ألفًا فقط، تكرر منها عشرة آلاف حديث في حين أننا نعرف الآن أن عدد الأحاديث التي يصح نسبتها للرسول (ص) وفقا للمحدث المعاصر الشهير ناصر الدين الألباني لا يزيدون عن ثمانية ألاف. أي أن العقل المسلم كان يسير لمدة طويلة من الزمن ومعه آلاف الأحاديث ظانا أنها تنسب للرسول الكريم، ثم تبين لنا أنها ليست كذلك؛ فتخيل معي أنك تسير في الشارع وعلى ظهرك مئات الكتب التي لا ينفعك منها إلا كتاب أو كتابان وأنت تظن خطأ أنها كلها مفيدة. وقد كان لهذا الكم المهول من الأحاديث المكذوبة دورها في تشويش العقل المسلم.
هذا على مستوى النصوص، لكن هناك رد فعل آخر على مستوى منهج التناول والذي تعامل مع قضايا الفقه بمنطق المتخوف من كل ما هو جديد أخذا بالأحوط واستنادا إلى مفهوم "سد الزرائع، وغلق مداخل الشيطان" وساد منهج ينسب في الأصل إلى الحنابلة والمالكية في سد الزرائع عند مجرد الظن وقوع المفسدة، حتى وإن لم تكن متيقنة.
وعلى هذا النهج كان الخلاف الشهير بين أبي حامد الغزالي الموصوف بـ "حجة الإسلام" وهو بالفعل عالم كبير، وبين واحد من رواد الفلسفة الغربية المسلم ابن رشد، الذي وجدت اسمه في العديد من الكتابات الغربية الكلاسيكية باعتباره من دعاة العقل والتنوير، وسببا من أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية. وصح تحليل هؤلاء لأن وجود ابن رشد، حتى وإن كان تأثيره ضعيفا، كان مهما لتحريك المياه الراكدة. ولكن لما مات جسدا، وأمتناه فكرا، فقد ضاع التوازن بين العقل والنقل. وغلب منطق أبي حامد الغزالي الذي ضمن في كتبه آلاف الأحاديث التي عرفنا لاحقا أنها ضعيفة أو لا أصل لها. وساد عند كثيرين أن العقل "هوى" وأن النص مهما ضعف سنده، أفضل مما ينتجه العقل البشري. وأصبح ابن رشد ومدرسته بمثابة الشياطين والمارقين من الدين، وهو الموقف الذي ساد لدى شرائح المجتمع غير المثقفة حتى يومنا هذا. فيهتم العامة بحواديت وحكايات الدعاة الجدد عن الماضي التي لا نعرف مدى صحتها أكثر من اهتمامهم بأي حديث ديني أو فلسفي أو علمي جاد عن قضية من قضايا مجتمعنا المعاصر، فأصبحنا أمام ظاهرة المسلم الفخور بإسلامه الجاهل به وبواقعه.
وقد قرأت حديثا أن فقهاء الدولة العثمانية قد أفتوا بحرمة الشركات المساهمة (أي مثل الشركات التي تعمل في البورصة الآن) من باب سد الزرائع وأنها "فكرة شيطانية ربوية" في حين أن الغرب قد ابتكر هذا الاختراع واستفاد منه لمدة 200 عاما قبل أن يتبين لنا نحن المسلمين أن هذه الشركات لا حرام فيها وأنها مثلها مثل غيرها تكون حلالا إن عملت في إنتاج سلع وخدمات حلال. ولكن العقل المسلم كان قد تحجر وصعب عليه أن يتبين الفرق بين ضوء الشمس وظلام الكهوف.
ويذكر الشيخ عبد الوهاب خلاف بحق أن غلق باب الاجتهاد على ما أنتجه فقهاء المسلمين في قرون الإسلام الأولى يعني ضمنا غلق باب النظرة النقدية في كتب الأقدمين وترتب على ذلك انقسام المجتهدين إلى أحزاب، ولكلّ حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها الذين يبالغون في تخريج النصوص وكأنها مباراة في البحث عن القديم وليس في النظر للمستقبل، فخلص ذلك إلى تعصب كل مدرسة لمبانيها الخاصة أصولا وفروعا. وهكذا انتشر المتطفلون على الفتوى والقضاء، فأدى ذلك إلى تقبّل سد باب الاجتهاد. وقد علق على ذلك الشيخ محمد الغزالي بقوله: إن إغلاق باب الاجتهاد هو اجتهاد، وهذا الاجتهاد بإغلاق باب الاجتهاد انتهى إلى ضرر، والضرر هو أن الأمة توقفت فعلاً عند التفكير القديم الذي كان سائداً في القرن الرابع تقريباً. وقد ترتب على هذا الغلق لباب الاجتهاد وغلبة النصوص التي كانت كالأشجار دون ثمار أن المسلم المعاصر يجد أنه من الأصلح له أن يستورد قانونا فرنسيا في الأمور التجارية عن أن يستند إلى قواعد المذهب الحنبلي أو المالكي أو الشافعي. لأن هؤلاء الأئمة العظام قالوا ما ناسب زمنهم، ولم نقل ما يناسب زماننا إلا بتحليل وتحريم ما نستورده من الغرب والشرق ولم نقم بدورنا في الاستحداث والإنشاء.
رابعا تراجع شرعية العدل، لصالح شرعية العسكر
في نفس الفترة التي ثار فيها الجدل بين الغزالي وابن رشد (القرن الثاني عشر الميلادي)، كان العالم الإسلامي يواجه خطر الحروب الصليبية وفي أعقابها غزوات التتار. وكلاهما خطر تتطلب عسكرة المجتمع بمعنى أن يعيش المسلمون لفترة طويلة من الزمن ستمتد إلى يومنا هذا، مع استثناءات قليلة، في حالة استعداد دائم لمعركة عسكرية قادمة. ومن هنا كان حكم الأيوبيين ثم المماليك ومن بعدهم العثمانيين للقيام بوظيفتين أساسيتين: منع الفتن الداخلية من جهة وحماية دار الإسلام من الخطر الخارجي من جهة ثانية. فلم يعد العلم الدنيوي والاجتهاد الشرعي إلا تابعين للوظيفة الأساسية وهي وظيفة درء الخطر الخارجي أساسا. وفي هذه الأحوال يبحث الإنسان عن شرعية القوي حتى وإن كان مخطئا جاهلا ظالما فاسدا وليس عن شرعية الضعيف حتى وإن كان مصيبا عالما عادلا نزيها، وحديثا قيل: "لا صوت يعلو على صوت المعركة." فكان المنطق الأسلم هو القبول بما سمي في الفقه ب "أمراء الاستيلاء" أو سموا لاحقا ب"أمراء التغلب" وانتهى الحال ببعض الفقهاء مثل الماوردي والجويني أن أعطوا لهؤلاء شرعية مستقلة عن شرعية الخليفة لأن سلاطين التغلب ينهضون بما نهض به الخلفاء قبلهم من حفظ الوحدة والدفاع عن دار الإسلام.
وهكذا بدلا من أن كانت شروط الخليفة أو ولي الأمر تجعل منه حاكما عالما مجتهدا عادلا حرا عاقلا قادرا على القيام بالتكاليف الشرعية والاستنباطات الفقهية، حاملا للرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح والكفاية الجسدية والقدرة على حماية البيضة وجهاد العدو، بدلا من كل هذه الشروط، تحول الأمر إلى "أصلح الله من أصبح" أي أصلح الله الحاكم الذي أصبح يحكمنا سواء وجدت فيه هذه الصفات أم لم توجد. وهو تطور خطير فبدلا من أن يزيد المسلمون من شروطهم في من يلي أمورهم، أصبحوا يقبلون من يحكمهم بنفس منطق قبولهم لنزول المطر أو غيابه، أو حدوث الزلازل أو امتناعها. أقصى ما يستطيعون هو الدعاء: "اللهم ول أمورنا خيارنا." وهي نظرة تواكلية ما أتى بها الإسلام ولكن ابتكرها الفقهاء المسلمون في عصور التخلف التي امتدت طويلا.
إذا نظرنا لهذه العوامل مجتمعة، فضلا عن المحطات ثلاث الأخرى التي سنتناولها في المقال القادم، يتبين أن بذور التخلف في مجتمعاتنا لها نصيب عميق الجذور، ولكن الحل لن يتطلب مئات السنين، فنهضة المجتمعات المعاصرة كانت سريعة بفعل عوامل العصر الذي نعيشه، على نحو ما سنرى، المهم أن نفهم أصل الداء وبدائل العلاج، والله المستعان.
يحاول هذا المقال أن يقف أمام بعض المحطات التاريخية التي شهدت تراجع الحضارة الإسلامية عن مكانتها الرائدة التي شغلتها في بداياتها. ودون الإغراق في المقدمات فلننفذ إلى محطات أربع في تاريخنا كان لكل منها أثره الممتد حتى يوم الناس هذا، ثم سأعقبها بمحطات ثلاث أخرى في مقال قادم ومعها نظرة على حلول مقترحة عسانا نصوب ما أخطأناه ونتجاوز ما فوتناه.
أولا تراجع الخلافة وسيادة الملك العضوض، تراجع عمر وسيادة معاوية:
لا شك أن منطق تداول الحكم على أساس من الوراثة عكس ما عمل له وعليه السابقون من الخلفاء كان نقطة التراجع الأولى في دولة الإسلام بحكم أنها نقلت موقع أحاد الناس من فاعلين سياسيين يشاركون في أمر الحكم عن طريق البيعة من ناحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ناحية إلى أخرى إلى رعايا لهم الأمان ما أمن الحكام مكرهم. ومن هنا كانت المقولة الشائعة لمعاوية: "لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا." وقد سارت منهجا التزمه اللاحقون. وقد انتزعت الدولة الأموية من الفقهاء المسلمين أنذاك السند الشرعي لطاعة ولي الأمر بغض النظر عن مدى شرعية وصوله للسلطة طالما أنه يلتزم شكلا بقواعد الإسلام واحترامه لطقوسه مثل إقامة الصلاة والدعاء للخليفة على المنبر وتطبيق الحدود والتوسع في جهاد الدفع أي رد أعداء الدولة الإسلامية عنها وجهاد الطلب أي التوسع في حدود الدولة الإسلامية.
ورغما عن أن هذا التحول الخطير في شكل نظام الدولة وأسس شرعية القائمين عليها إلا أن أخطر ما فيه أنه كان مقدمة لتحول في علاقة الدولة بالمجتمع، فبدلا من منطق أن الحاكم خادم للمجتمع المسلم وموظف عام يقوم على شئونه باختيار المجتمع ورضاه، تحول المجتمع إلى تابع للدولة توجهه وتفرض عليه شروطها. فمن عمر الذي كان يقول: " إنما أرسل لكم الولاة خادمين ومعلمين" إلى معاوية الذي قال: "إن لم يكن هذا (أي ابنه يزيد) فهذا (أي السيف)."
مات عمر، ويجلس على عروش الحكم تلاميذ معاوية، رضي الله عنهما.
ثانيا تراجع العالم الناقد لصالح عالم التقية، تراجع ابن حنبل وتقدم ابن معين :
لقد كانت فتنة خلق القرآن الكريم أكثر كثيرا من مجرد اختلاف فلسفي بشأن هل القرآن الكريم مخلوق كرد فعل لحوادث الدنيا، وبالتالي كان من الممكن نظريا أن تتغير بعض آياته لو تصرف أبو لهب على عكس ما تصرف مثلا أم أنه قديم قدم الدهر وكأن الله خلقه أصلا قبل خلق البشر ثم سير الأمور كي تستقيم مع القرآن الكريم. أقول هذا النقاش الفلسفي نفسه كان يمكن أن يمر مرور الكرام كما مر غيره لكنه تحول إلى علامة فاصلة في تاريخ المسلمين من زاويتين على الأقل: فهو أولا قد رسخ نمط السلطة القاهرة في مواجهة عالم الدين المعارض. فكان تعذيب ابن حنبل على يد ثلاثة من خفاء العباسيين درسا وعاه معظم علماء الدين في عصر الفتنة وممن أتوا بعدها. وسار في الإسلام نمطان: نمط شجاعة ابن حنبل المعذب بسبب صلابته في الدفاع عما رآه الحق، وتقية يحي ابن معين الذي قال إن القرآن مخلوق حتى يريح نفسه من العذاب. ويذكر هنا أن يحي بن معين، وهو بحق عالم كبير، دخل على الإمام أحمد رحمه الله وهو مريض فسلم عليه فلم يرد السلام، فما زال يعتذر متعللا بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، فقلب أحمد وجهه على الجانب الآخر ناكرا على ابن معين ما فعل. ويبدو أن الكثير من علماء الدين في الإسلام قد أخذوا عن ابن معين منطقه ونسوا الرسالة الأولى لكل نبي وهو أن يجاهد بالكلمة مهما كلفه الأمر، لأنه قائد رأي عام في مجتمعه وقدوة لمن يسيرون خلفه. وهذا هو ما فعله موسى النبي مع فرعون المستبد، بل فعله كل نبي مع كل جبار، بل هو ما فعله فلاسفة عصر النهضة في أوروبا مع حكامهم المستبدين، وكان بعض هؤلاء الفلاسفة ملحدين، وهو ما حاوله حديثا نساك وعباد بورما حينما سار منهم عشرة ألاف حفاة في الشوارع يقودون المجتمع وينشدون كلمة واحدة يكررونها بوعي وإصرار: "الديمقراطية... الديمقراطية." أما في حياتنا الإسلامية المعاصرة، فتكون كلمة الحق عالية ضد صغائر المواطن متى أخطأ ولا تتخطاه إلى كبائر الحكام متى وقعوا في الخطيئة. مات في الكثير من علمائنا ابن حنبل... ويحي بيننا ابن معين.
ثالثا تراجع العقل وازدهار النقل، تراجع ابن رشد وازدهار الغزالي:
وقد كان لمحنة خلق القرآن مع غيرها من التفاعلات الأخرى أثر آخر امتد طويلا حتى يومنا هذا. هذا الأثر نلمحه في غلبة النص دون اجتهاد في فهمه وتطبيقه على بعض مذاهبنا الفقهية، والتي جعلت الكثرة الغالبة تخشى الذهاب بعيدا عن الاجتهادات الفقهية التي خلفها الأقدمون. فترتب على ذلك نوع من المبالغة في تقدير النص والخوف من العقل المفضي إلى الفتنة بما أخذنا بعيدا عن التوازن المنطقي.. فتأخرنا في كثير من ابتكاراتنا بل وفي قبول الكثير من المبتكرات التي جاءت إلينا من الأمم الأخرى.
وبما أن العقل البشري قد أفضى للتفكير في هذه القضايا من قبيل القرآن قديم أم مخلوق فضلا عن ترجمة عشرات الكتابات من الفلسفة اليونانية القديمة وما ترتب على ذلك من طرح أسئلة لم تكن من السهل التفكير فيها من قبل العقل المسلم آنذاك فقد ساوى بعض الفقهاء بين الفلسفة والزندقة وكان الحل ذا شقين: الأول مزيد من التمسك بالأقوال المنسوبة للرسول (ص) والصحابة العظام والتابعين، ثم من ناحية أخرى ما عرف بغلق باب الاجتهاد.
فعلى مستوى التمسك بالنصوص المنسوبة للرسول (ص) وصحابته تبين لنا لاحقا أن الأغلبية الساحقة من هذا الأقوال ليست بأحاديث تنسب للرسول الكريم. فمثلا يروى أن الحسن البصري قد حفظ 600 ألف حديث، كما قيل إن الإمام أحمد كان يحفظ ألف ألف (أي مليون) حديث ولكنه وضع في مسنده أربعين ألفًا فقط، تكرر منها عشرة آلاف حديث في حين أننا نعرف الآن أن عدد الأحاديث التي يصح نسبتها للرسول (ص) وفقا للمحدث المعاصر الشهير ناصر الدين الألباني لا يزيدون عن ثمانية ألاف. أي أن العقل المسلم كان يسير لمدة طويلة من الزمن ومعه آلاف الأحاديث ظانا أنها تنسب للرسول الكريم، ثم تبين لنا أنها ليست كذلك؛ فتخيل معي أنك تسير في الشارع وعلى ظهرك مئات الكتب التي لا ينفعك منها إلا كتاب أو كتابان وأنت تظن خطأ أنها كلها مفيدة. وقد كان لهذا الكم المهول من الأحاديث المكذوبة دورها في تشويش العقل المسلم.
هذا على مستوى النصوص، لكن هناك رد فعل آخر على مستوى منهج التناول والذي تعامل مع قضايا الفقه بمنطق المتخوف من كل ما هو جديد أخذا بالأحوط واستنادا إلى مفهوم "سد الزرائع، وغلق مداخل الشيطان" وساد منهج ينسب في الأصل إلى الحنابلة والمالكية في سد الزرائع عند مجرد الظن وقوع المفسدة، حتى وإن لم تكن متيقنة.
وعلى هذا النهج كان الخلاف الشهير بين أبي حامد الغزالي الموصوف بـ "حجة الإسلام" وهو بالفعل عالم كبير، وبين واحد من رواد الفلسفة الغربية المسلم ابن رشد، الذي وجدت اسمه في العديد من الكتابات الغربية الكلاسيكية باعتباره من دعاة العقل والتنوير، وسببا من أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية. وصح تحليل هؤلاء لأن وجود ابن رشد، حتى وإن كان تأثيره ضعيفا، كان مهما لتحريك المياه الراكدة. ولكن لما مات جسدا، وأمتناه فكرا، فقد ضاع التوازن بين العقل والنقل. وغلب منطق أبي حامد الغزالي الذي ضمن في كتبه آلاف الأحاديث التي عرفنا لاحقا أنها ضعيفة أو لا أصل لها. وساد عند كثيرين أن العقل "هوى" وأن النص مهما ضعف سنده، أفضل مما ينتجه العقل البشري. وأصبح ابن رشد ومدرسته بمثابة الشياطين والمارقين من الدين، وهو الموقف الذي ساد لدى شرائح المجتمع غير المثقفة حتى يومنا هذا. فيهتم العامة بحواديت وحكايات الدعاة الجدد عن الماضي التي لا نعرف مدى صحتها أكثر من اهتمامهم بأي حديث ديني أو فلسفي أو علمي جاد عن قضية من قضايا مجتمعنا المعاصر، فأصبحنا أمام ظاهرة المسلم الفخور بإسلامه الجاهل به وبواقعه.
وقد قرأت حديثا أن فقهاء الدولة العثمانية قد أفتوا بحرمة الشركات المساهمة (أي مثل الشركات التي تعمل في البورصة الآن) من باب سد الزرائع وأنها "فكرة شيطانية ربوية" في حين أن الغرب قد ابتكر هذا الاختراع واستفاد منه لمدة 200 عاما قبل أن يتبين لنا نحن المسلمين أن هذه الشركات لا حرام فيها وأنها مثلها مثل غيرها تكون حلالا إن عملت في إنتاج سلع وخدمات حلال. ولكن العقل المسلم كان قد تحجر وصعب عليه أن يتبين الفرق بين ضوء الشمس وظلام الكهوف.
ويذكر الشيخ عبد الوهاب خلاف بحق أن غلق باب الاجتهاد على ما أنتجه فقهاء المسلمين في قرون الإسلام الأولى يعني ضمنا غلق باب النظرة النقدية في كتب الأقدمين وترتب على ذلك انقسام المجتهدين إلى أحزاب، ولكلّ حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها الذين يبالغون في تخريج النصوص وكأنها مباراة في البحث عن القديم وليس في النظر للمستقبل، فخلص ذلك إلى تعصب كل مدرسة لمبانيها الخاصة أصولا وفروعا. وهكذا انتشر المتطفلون على الفتوى والقضاء، فأدى ذلك إلى تقبّل سد باب الاجتهاد. وقد علق على ذلك الشيخ محمد الغزالي بقوله: إن إغلاق باب الاجتهاد هو اجتهاد، وهذا الاجتهاد بإغلاق باب الاجتهاد انتهى إلى ضرر، والضرر هو أن الأمة توقفت فعلاً عند التفكير القديم الذي كان سائداً في القرن الرابع تقريباً. وقد ترتب على هذا الغلق لباب الاجتهاد وغلبة النصوص التي كانت كالأشجار دون ثمار أن المسلم المعاصر يجد أنه من الأصلح له أن يستورد قانونا فرنسيا في الأمور التجارية عن أن يستند إلى قواعد المذهب الحنبلي أو المالكي أو الشافعي. لأن هؤلاء الأئمة العظام قالوا ما ناسب زمنهم، ولم نقل ما يناسب زماننا إلا بتحليل وتحريم ما نستورده من الغرب والشرق ولم نقم بدورنا في الاستحداث والإنشاء.
رابعا تراجع شرعية العدل، لصالح شرعية العسكر
في نفس الفترة التي ثار فيها الجدل بين الغزالي وابن رشد (القرن الثاني عشر الميلادي)، كان العالم الإسلامي يواجه خطر الحروب الصليبية وفي أعقابها غزوات التتار. وكلاهما خطر تتطلب عسكرة المجتمع بمعنى أن يعيش المسلمون لفترة طويلة من الزمن ستمتد إلى يومنا هذا، مع استثناءات قليلة، في حالة استعداد دائم لمعركة عسكرية قادمة. ومن هنا كان حكم الأيوبيين ثم المماليك ومن بعدهم العثمانيين للقيام بوظيفتين أساسيتين: منع الفتن الداخلية من جهة وحماية دار الإسلام من الخطر الخارجي من جهة ثانية. فلم يعد العلم الدنيوي والاجتهاد الشرعي إلا تابعين للوظيفة الأساسية وهي وظيفة درء الخطر الخارجي أساسا. وفي هذه الأحوال يبحث الإنسان عن شرعية القوي حتى وإن كان مخطئا جاهلا ظالما فاسدا وليس عن شرعية الضعيف حتى وإن كان مصيبا عالما عادلا نزيها، وحديثا قيل: "لا صوت يعلو على صوت المعركة." فكان المنطق الأسلم هو القبول بما سمي في الفقه ب "أمراء الاستيلاء" أو سموا لاحقا ب"أمراء التغلب" وانتهى الحال ببعض الفقهاء مثل الماوردي والجويني أن أعطوا لهؤلاء شرعية مستقلة عن شرعية الخليفة لأن سلاطين التغلب ينهضون بما نهض به الخلفاء قبلهم من حفظ الوحدة والدفاع عن دار الإسلام.
وهكذا بدلا من أن كانت شروط الخليفة أو ولي الأمر تجعل منه حاكما عالما مجتهدا عادلا حرا عاقلا قادرا على القيام بالتكاليف الشرعية والاستنباطات الفقهية، حاملا للرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح والكفاية الجسدية والقدرة على حماية البيضة وجهاد العدو، بدلا من كل هذه الشروط، تحول الأمر إلى "أصلح الله من أصبح" أي أصلح الله الحاكم الذي أصبح يحكمنا سواء وجدت فيه هذه الصفات أم لم توجد. وهو تطور خطير فبدلا من أن يزيد المسلمون من شروطهم في من يلي أمورهم، أصبحوا يقبلون من يحكمهم بنفس منطق قبولهم لنزول المطر أو غيابه، أو حدوث الزلازل أو امتناعها. أقصى ما يستطيعون هو الدعاء: "اللهم ول أمورنا خيارنا." وهي نظرة تواكلية ما أتى بها الإسلام ولكن ابتكرها الفقهاء المسلمون في عصور التخلف التي امتدت طويلا.
إذا نظرنا لهذه العوامل مجتمعة، فضلا عن المحطات ثلاث الأخرى التي سنتناولها في المقال القادم، يتبين أن بذور التخلف في مجتمعاتنا لها نصيب عميق الجذور، ولكن الحل لن يتطلب مئات السنين، فنهضة المجتمعات المعاصرة كانت سريعة بفعل عوامل العصر الذي نعيشه، على نحو ما سنرى، المهم أن نفهم أصل الداء وبدائل العلاج، والله المستعان.
Wednesday, November 21, 2007
إلي سلة المهملات
اسامة هيكل
لم يكلف الأمر الرئيس مبارك مجرد جرة قلم.. اكتفي بمجرد كلمتين في مؤتمر صحفي بالاسماعيلية ليلغي مشروع إنشاء عاصمة جديدة لمصر، وليحرج كل الذين شاركوا في المشروع، وكل الذين أيدوه وصفقوا له. منذ سنوات، والمصريون يستمعون لتصريحات عن عاصمة جديدة لمصر بدلاً من القاهرة التي أصبحت مكتظة بسكانها وسياراتها وعوادمها ومشاكلها.. ولكن خلال العام الماضي، زاد الحديث عن هذا الأمر بشكل ملحوظ،
وأعلن جمال مبارك الأمين المساعد وأمين سياسات الحزب الوطني عن مخطط عمراني جديد لتطوير القاهرة الكبري، ثم فجأة تحول الحديث علي المستوي التنفيذي إلي فكرة إنشاء عاصمة إدارية جديدة لمصر بدلاً من القاهرة، ولم يكن الأمر محل خلط أو سوء فهم.. فقد أعلن صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني ورئيس مجلس الشوري قبل أسبوع أنه تلقي خطاباً من رئيس الوزراء يطلب رأيه في موقع مجلسي الشعب والشوري الجديدين في التخطيط الذي انتهي للعاصمة الجديدة. وفي نفس اليوم، أكد الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والنيابية أهمية إنشاء عاصمة جديدة لمصر، وقال إن الحكومة تقوم بدراسات مستفيضة لحل مشكلة ازدحام العاصمة وتخفيف العبء السكاني بالقاهرة.
* وكان تقرير التنمية البشرية الصادر في 2006 بالتعاون بين الأمم المتحدة ومعهد التخطيط القومي قد طالب بخريطة عقارية جديدة لمصر، وركز علي ضرورة إنشاء عاصمة جديدة وإيجاد عناصر جذب السكان للمناطق الجديدة.
* كل هذه الدراسات التي أجرتها الحكومة المصرية مصيرها »سلة المهملات«.. كل الأموال التي أنفقتها الحكومة علي الدراسات المستفيضة للتخطيط الذي انتهي وفق التصريحات الرسمية، ضاعت هباء.. تماماً مثل مشروعات كثيرة بدأت وتوقفت.
* والحقيقية أن أسانيد الرئيس مبارك في رفضه للمشروع منطقيه.. فالعدالة الاجتماعية في حالة سيئة، ومصر ليست ذات اقتصاد منتعش لدرجة إنفاق عشرات المليارات علي عاصمة جديدة.. وبالتالي يجب توجيه الموارد لخدمة السكان.. ولكن السؤال، أليس الأجدر بالحكومة أنها تعلم حقيقة الوضع الاقتصادي ومعاناة الشعب وآلامه؟!
* الرأي النهائي في مشروع العاصمة الجديدة كان للرئيس مبارك.. ولكنني لا أعلم لماذا لم يعلن رأيه منذ بدء الحكومة في دراساتها التي تكلفت بالتأكيد مبالغ مالية ضخمة جداً؟! ولا أعلم هل بدأت الحكومة تلك الدراسات بمعرفة الرئيس أم بدون معرفته؟!
* المؤسف.. أن النموذج الذي ظهر به مستوي الأداء العام للدولة في هذه القضية يعكس أننا نعيش حالة من العشوائية.. ويؤكد أننا لانضع أمامنا هدفاً محدداً، وأن الحكومة تعمل بمزاجها بعيداً عن إستراتيجية محدده يعلمها الرئيس ويوافق عليها.. والنتيجة أن كل دراساتنا إلي سلة المهملات ومعها ملايين كثيرة يحتاجها المواطن.
لم يكلف الأمر الرئيس مبارك مجرد جرة قلم.. اكتفي بمجرد كلمتين في مؤتمر صحفي بالاسماعيلية ليلغي مشروع إنشاء عاصمة جديدة لمصر، وليحرج كل الذين شاركوا في المشروع، وكل الذين أيدوه وصفقوا له. منذ سنوات، والمصريون يستمعون لتصريحات عن عاصمة جديدة لمصر بدلاً من القاهرة التي أصبحت مكتظة بسكانها وسياراتها وعوادمها ومشاكلها.. ولكن خلال العام الماضي، زاد الحديث عن هذا الأمر بشكل ملحوظ،
وأعلن جمال مبارك الأمين المساعد وأمين سياسات الحزب الوطني عن مخطط عمراني جديد لتطوير القاهرة الكبري، ثم فجأة تحول الحديث علي المستوي التنفيذي إلي فكرة إنشاء عاصمة إدارية جديدة لمصر بدلاً من القاهرة، ولم يكن الأمر محل خلط أو سوء فهم.. فقد أعلن صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني ورئيس مجلس الشوري قبل أسبوع أنه تلقي خطاباً من رئيس الوزراء يطلب رأيه في موقع مجلسي الشعب والشوري الجديدين في التخطيط الذي انتهي للعاصمة الجديدة. وفي نفس اليوم، أكد الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والنيابية أهمية إنشاء عاصمة جديدة لمصر، وقال إن الحكومة تقوم بدراسات مستفيضة لحل مشكلة ازدحام العاصمة وتخفيف العبء السكاني بالقاهرة.
* وكان تقرير التنمية البشرية الصادر في 2006 بالتعاون بين الأمم المتحدة ومعهد التخطيط القومي قد طالب بخريطة عقارية جديدة لمصر، وركز علي ضرورة إنشاء عاصمة جديدة وإيجاد عناصر جذب السكان للمناطق الجديدة.
* كل هذه الدراسات التي أجرتها الحكومة المصرية مصيرها »سلة المهملات«.. كل الأموال التي أنفقتها الحكومة علي الدراسات المستفيضة للتخطيط الذي انتهي وفق التصريحات الرسمية، ضاعت هباء.. تماماً مثل مشروعات كثيرة بدأت وتوقفت.
* والحقيقية أن أسانيد الرئيس مبارك في رفضه للمشروع منطقيه.. فالعدالة الاجتماعية في حالة سيئة، ومصر ليست ذات اقتصاد منتعش لدرجة إنفاق عشرات المليارات علي عاصمة جديدة.. وبالتالي يجب توجيه الموارد لخدمة السكان.. ولكن السؤال، أليس الأجدر بالحكومة أنها تعلم حقيقة الوضع الاقتصادي ومعاناة الشعب وآلامه؟!
* الرأي النهائي في مشروع العاصمة الجديدة كان للرئيس مبارك.. ولكنني لا أعلم لماذا لم يعلن رأيه منذ بدء الحكومة في دراساتها التي تكلفت بالتأكيد مبالغ مالية ضخمة جداً؟! ولا أعلم هل بدأت الحكومة تلك الدراسات بمعرفة الرئيس أم بدون معرفته؟!
* المؤسف.. أن النموذج الذي ظهر به مستوي الأداء العام للدولة في هذه القضية يعكس أننا نعيش حالة من العشوائية.. ويؤكد أننا لانضع أمامنا هدفاً محدداً، وأن الحكومة تعمل بمزاجها بعيداً عن إستراتيجية محدده يعلمها الرئيس ويوافق عليها.. والنتيجة أن كل دراساتنا إلي سلة المهملات ومعها ملايين كثيرة يحتاجها المواطن.
نصائح ..نصائح
د.محمد السيد سعيد
الحمد لله أن السيد عمرو موسي ذهب إلي لبنان حتي لا يترك وزير الخارجية الفرنسي وحده محاولا دفع التوافق علي انتخاب رئيس جديد، فالدور الذي قام به الأمين العام للجامعة العربية هو الدليل الوحيد علي اهتمام مصر غير المباشر بالشأن اللبناني.
مصر غائبة في لبنان وهذا وضع تاريخي بدأ منذ بارك الرئيس السادات التدخل السوري الانفرادي في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 .والواقع أن مصر غائبة عن مواقع الأزمات العربية جميعا ودون مبررات حقيقية، إذ لا يوجد ما يفسر غياب مصر العجيب في السودان. وسريعا ما قد يتدهور الوضع هناك وتعود الحرب بين الشمال والجنوب بما يفتح جميع الأسئلة والملفات القديمة، ويري البعض أن غياب مصر في العراق مفهوم بسبب الغزو والتطرف والفوضي. ولكن هذه الظروف لم تمنع دولا كثيرة من تأسيس حضور مباشر وغير مباشر في هذا البلد. ثم إن الحضور المصري في جميع البلاد العربية تراجع بصورة مخيفة حتي صرنا آخر من يهتم وآخر من يعلم وآخر من يفعل بل آخر من «تعمل له الحكومات العربية أي حساب». ومن هنا نفسر العدد الكبير من المصريين في السجون الكويتية وأكثرهم ضحايا شركات كويتية توردهم بالخديعة لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق. ومن هنا نفسر أيضا القرارات التعسفية التي تصدرها السلطات الليبية بحق المصريين. التفسير الذي يقترح نفسه لفهم هذا الإهمال الجسيم للحضور المصري في العالم العربي هو شيخوخة النظام السياسي، فالقدرة علي صنع مبادرات مهيبة ومحترمة انتهت تقريبا.وهناك عامل مكمل وبالغ الأهمية وهو أن النظام السياسي في مصر لم يعد يمتلك وجهة نظر أو فلسفة أو رؤية لمستقبل المنطقة. كل ما دعا له الرئيس مبارك كبديل للفكرة القومية التي نادي بها ناصر هو مبدأ "عدم التدخل". وفي ظل هذا المبدأ تدخلت جميع القوي الدولية والإقليمية إلا مصر مما حرمها من الأوراق الضرورية للتأثير علي الأحداث في سائر البلاد العربية وضمان الحد الأدني من احترام المصالح المصرية. والطريف في سياسة عدم التدخل أن الفرقاء في مختلف الأزمات العربية وخاصة لبنان والسودان واليمن والعراق جاءوا يطلبون من مصر القيام بدورها. ولم يكن لدي مصر ما تقوله أو ما تفعله سوي النصائح!
الحمد لله أن السيد عمرو موسي ذهب إلي لبنان حتي لا يترك وزير الخارجية الفرنسي وحده محاولا دفع التوافق علي انتخاب رئيس جديد، فالدور الذي قام به الأمين العام للجامعة العربية هو الدليل الوحيد علي اهتمام مصر غير المباشر بالشأن اللبناني.
مصر غائبة في لبنان وهذا وضع تاريخي بدأ منذ بارك الرئيس السادات التدخل السوري الانفرادي في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 .والواقع أن مصر غائبة عن مواقع الأزمات العربية جميعا ودون مبررات حقيقية، إذ لا يوجد ما يفسر غياب مصر العجيب في السودان. وسريعا ما قد يتدهور الوضع هناك وتعود الحرب بين الشمال والجنوب بما يفتح جميع الأسئلة والملفات القديمة، ويري البعض أن غياب مصر في العراق مفهوم بسبب الغزو والتطرف والفوضي. ولكن هذه الظروف لم تمنع دولا كثيرة من تأسيس حضور مباشر وغير مباشر في هذا البلد. ثم إن الحضور المصري في جميع البلاد العربية تراجع بصورة مخيفة حتي صرنا آخر من يهتم وآخر من يعلم وآخر من يفعل بل آخر من «تعمل له الحكومات العربية أي حساب». ومن هنا نفسر العدد الكبير من المصريين في السجون الكويتية وأكثرهم ضحايا شركات كويتية توردهم بالخديعة لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق. ومن هنا نفسر أيضا القرارات التعسفية التي تصدرها السلطات الليبية بحق المصريين. التفسير الذي يقترح نفسه لفهم هذا الإهمال الجسيم للحضور المصري في العالم العربي هو شيخوخة النظام السياسي، فالقدرة علي صنع مبادرات مهيبة ومحترمة انتهت تقريبا.وهناك عامل مكمل وبالغ الأهمية وهو أن النظام السياسي في مصر لم يعد يمتلك وجهة نظر أو فلسفة أو رؤية لمستقبل المنطقة. كل ما دعا له الرئيس مبارك كبديل للفكرة القومية التي نادي بها ناصر هو مبدأ "عدم التدخل". وفي ظل هذا المبدأ تدخلت جميع القوي الدولية والإقليمية إلا مصر مما حرمها من الأوراق الضرورية للتأثير علي الأحداث في سائر البلاد العربية وضمان الحد الأدني من احترام المصالح المصرية. والطريف في سياسة عدم التدخل أن الفرقاء في مختلف الأزمات العربية وخاصة لبنان والسودان واليمن والعراق جاءوا يطلبون من مصر القيام بدورها. ولم يكن لدي مصر ما تقوله أو ما تفعله سوي النصائح!
عقائد كافرة
محمد البرغوثي
لا تكاد تخلو الصحف اليومية هذه الأيام من أخبار متلاحقة عن «إحباط محاولة تسفير عدد من الشباب إلي أوروبا بطرق غير شرعية».. و«القبض علي عصابة من عصابات تهجير الشباب في قوارب الموت».
والملاحظ أن أجهزة الأمن المختصة بإحباط هذه المحاولات ومراقبة الساحل الشمالي المصري، استنفرت كل إمكاناتها بعد حادث غرق قاربين قبل أسبوعين، ونشطت في مراقبة السواحل وتجميع المعلومات عن سماسرة الهجرة غير الشرعية،
والمؤكد أن هذا الاستنفار سينتهي بعد أيام قليلة، دون أن يعالج شيئًا، أو يخفف من هذا النشاط الكثيف الذي تشهده سوق تهريب الشباب المصري إلي إيطاليا وأفريقيا وإسرائيل.
الظاهرة إذن مستمرة، لأن الأسباب المنتجة لها مازالت كما هي، ومازالت القوي الطاردة للشاب من بيته وقريته وبلده، أقوي من كل الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام، التي تحاول إحباط محاولات التهريب، أو توعية الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية.
واللافت في هذه الظاهرة أنها لم تترك قرية مصرية واحدة إلا دخلتها، وسيطرت تمامًا علي عدد من شبانها لايكاد يجمعهم شيء غير أنهم يحلمون بالسفر إلي أوروبا.. فبعض هؤلاء الشبان من الحاصلين علي مؤهلات عليا، وبعضهم لم يحصل إلا علي الابتدائية، واللافت أيضًا أن هؤلاء الشباب ليسوا جميعًا فقراء، فبعضهم ينتمي لأسر ريفية مستورة تمتلك عددًا من الأفدنة، وبعضهم لا يملك إلا صحته واستعداده للمقامرة بحياته.
ما الذي يدفع هؤلاء جميعًا إلي الاشتراك في حلم واحد؟
لقد قرأت معظم ما نشرته الصحف علي ألسنة الناجين من حادثي غرق القاربين، واستمعت إلي بعض أبناء القري التي استقبلت جثث أبنائها الغرقي، ولم أقتنع أبدأ بأن الفقر أو البطالة هما سبب تفشي هذه الظاهرة الرهيبة في معظم القري المصرية.
نعم، الفقر والبطالة، حاضران، ولا يمكن استبعادهما، ولكنهما يفسران فقط رغبة شاب فقير وعاطل في تجريب هذه المغامرة، التي قد تنتهي بالراحة الأبدية من فقره وبطالته ومهانته، أو قد تنتهي بالوصول إلي شاطئ الحلم الأوروبي.
ولكن الفقر والبطالة لا علاقة لهما بانضمام آلاف الشبان من الأسر المستورة إلي قوافل المغامرين بأرواحهم في قوارب الموت، ومن يتحدث - بعيدًا عن وسائل الإعلام - مع عدد من هؤلاء الشبان سيكتشف علي الفور أنهم ضحايا ثقافة كونية سائدة، أهدرت كل القيم الإنسانية النبيلة، وأشاعت في العالم كله ثقافة بديلة لا قيمة لشيء فيها غير «المال».
«المال» في الثقافة الرأسمالية السائدة هو القيمة والمهابة.. وهو الوطن والعائلة، وهو القوة والسلطة والمعرفة أيضًا، و«المال» هو النسب والحسب وفصيلة الدم، ولا شيء غيره يستحق الاحترام أو يجلب التقدير.. وليس أدل علي ذلك من مذلة العلماء في معاملهم، ووحشة المفكرين في غرفهم الكئيبة، وانهمار الأضواء والوجاهة والعظمة علي كل تافه رقيع.. تمكن في زمن قياسي من جمع الملايين، لا لشيء، إلا لأنه تافه ورقيع!
في الريف والمدن، في الدول النامية والمتخلفة، والدول الناهضة والمتقدمة، أصبحت «صلة المال» أقوي ملايين المرات من «صلة الدم».. وأصبح «قريبنا» الفقير عبئًا لا يمكن احتماله، وتراثًا لا تستوعبه غير المتاحف، وأصبح «الآخر» الثري - حتي لو كان عدوا - ثقافة جديدة ينبغي اكتسابها.
وفي ظل هذه العقيدة «المالية» فقد كل شيء آخر قيمته.. وفقدت الحياة - من دون المال - أهميتها. ولهذا سيستمر الهرب والغرق، إلي أن تغرب شمس هذه العقيدة الكافرة.
لا تكاد تخلو الصحف اليومية هذه الأيام من أخبار متلاحقة عن «إحباط محاولة تسفير عدد من الشباب إلي أوروبا بطرق غير شرعية».. و«القبض علي عصابة من عصابات تهجير الشباب في قوارب الموت».
والملاحظ أن أجهزة الأمن المختصة بإحباط هذه المحاولات ومراقبة الساحل الشمالي المصري، استنفرت كل إمكاناتها بعد حادث غرق قاربين قبل أسبوعين، ونشطت في مراقبة السواحل وتجميع المعلومات عن سماسرة الهجرة غير الشرعية،
والمؤكد أن هذا الاستنفار سينتهي بعد أيام قليلة، دون أن يعالج شيئًا، أو يخفف من هذا النشاط الكثيف الذي تشهده سوق تهريب الشباب المصري إلي إيطاليا وأفريقيا وإسرائيل.
الظاهرة إذن مستمرة، لأن الأسباب المنتجة لها مازالت كما هي، ومازالت القوي الطاردة للشاب من بيته وقريته وبلده، أقوي من كل الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام، التي تحاول إحباط محاولات التهريب، أو توعية الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية.
واللافت في هذه الظاهرة أنها لم تترك قرية مصرية واحدة إلا دخلتها، وسيطرت تمامًا علي عدد من شبانها لايكاد يجمعهم شيء غير أنهم يحلمون بالسفر إلي أوروبا.. فبعض هؤلاء الشبان من الحاصلين علي مؤهلات عليا، وبعضهم لم يحصل إلا علي الابتدائية، واللافت أيضًا أن هؤلاء الشباب ليسوا جميعًا فقراء، فبعضهم ينتمي لأسر ريفية مستورة تمتلك عددًا من الأفدنة، وبعضهم لا يملك إلا صحته واستعداده للمقامرة بحياته.
ما الذي يدفع هؤلاء جميعًا إلي الاشتراك في حلم واحد؟
لقد قرأت معظم ما نشرته الصحف علي ألسنة الناجين من حادثي غرق القاربين، واستمعت إلي بعض أبناء القري التي استقبلت جثث أبنائها الغرقي، ولم أقتنع أبدأ بأن الفقر أو البطالة هما سبب تفشي هذه الظاهرة الرهيبة في معظم القري المصرية.
نعم، الفقر والبطالة، حاضران، ولا يمكن استبعادهما، ولكنهما يفسران فقط رغبة شاب فقير وعاطل في تجريب هذه المغامرة، التي قد تنتهي بالراحة الأبدية من فقره وبطالته ومهانته، أو قد تنتهي بالوصول إلي شاطئ الحلم الأوروبي.
ولكن الفقر والبطالة لا علاقة لهما بانضمام آلاف الشبان من الأسر المستورة إلي قوافل المغامرين بأرواحهم في قوارب الموت، ومن يتحدث - بعيدًا عن وسائل الإعلام - مع عدد من هؤلاء الشبان سيكتشف علي الفور أنهم ضحايا ثقافة كونية سائدة، أهدرت كل القيم الإنسانية النبيلة، وأشاعت في العالم كله ثقافة بديلة لا قيمة لشيء فيها غير «المال».
«المال» في الثقافة الرأسمالية السائدة هو القيمة والمهابة.. وهو الوطن والعائلة، وهو القوة والسلطة والمعرفة أيضًا، و«المال» هو النسب والحسب وفصيلة الدم، ولا شيء غيره يستحق الاحترام أو يجلب التقدير.. وليس أدل علي ذلك من مذلة العلماء في معاملهم، ووحشة المفكرين في غرفهم الكئيبة، وانهمار الأضواء والوجاهة والعظمة علي كل تافه رقيع.. تمكن في زمن قياسي من جمع الملايين، لا لشيء، إلا لأنه تافه ورقيع!
في الريف والمدن، في الدول النامية والمتخلفة، والدول الناهضة والمتقدمة، أصبحت «صلة المال» أقوي ملايين المرات من «صلة الدم».. وأصبح «قريبنا» الفقير عبئًا لا يمكن احتماله، وتراثًا لا تستوعبه غير المتاحف، وأصبح «الآخر» الثري - حتي لو كان عدوا - ثقافة جديدة ينبغي اكتسابها.
وفي ظل هذه العقيدة «المالية» فقد كل شيء آخر قيمته.. وفقدت الحياة - من دون المال - أهميتها. ولهذا سيستمر الهرب والغرق، إلي أن تغرب شمس هذه العقيدة الكافرة.
Tuesday, November 20, 2007
الحكومة.. الحزب.. الرئيس!
محمد أمين
أشعر بقلق شديد إزاء ما يجري في دائرة صنع القرار.. علي مستوي الحكومة والحزب والرئيس.. كل يوم يصدر قرار ثم يصدر نقيضه في اليوم التالي.. وأتحدث عن قرار نقل العاصمة.. وبرغم أن الحكومة هي التي اخترعت مشروع نقل العاصمة.. فإن الحكومة أيضاً هي التي شطبته بأستيكه.. ثم عادت إليه مرة أخري.. فألغاه الرئيس في رحلة الإسماعيلية بقرار منه.. وكلام الرئيس قرار جمهوري غير مكتوب.. ولكنه قابل للتنفيذ، فور صدوره، ولا يجرؤ أحد هنا أو هناك علي مخالفته.. وكنت حتي ساعات قليلة مضت أشعر بأن الحلم تحقق،
وأن نقل العاصمة أصبح حقيقة لا تحتمل الشك.. فهناك خطاب من »نظيف«، وهناك إعلان من »الشريف«.. ومانشيت في جريدة »روزاليوسف« الحكومية.. يبشر بأننا سوف ننتقل إلي عصر جديد مع عاصمة جديدة!!
** ومرجع القلق هنا أن الحكومة هي التي قررت ثم أخطرت الحزب عن طريق أمينه العام صفوت الشريف.. في بادرة تدل علي التعاون بين الحكومة والحزب، والتنسيق التام.. وهي إشارة تدل علي أنها لقيت موافقة من القيادة السياسية.. فإذا بكل ذلك ينهار فجأة.. فلا خطاب، ولا إعلان.. ولا أي قرار غير قرار الرئيس.. وقرار الرئيس مع العدالة الاجتماعية في الوقت الراهن.. ومع مساكن الفقراء.. وهو شيء مطلوب.. وإن كان نقل العاصمة أيضاً لا يقل أهمية، بعد أن تحولت القاهرة إلي جراج مفتوح.... وزاد الأمر تعقيداً مع كل زيارة للرئيس.. سواء لمجلس الشعب أو حتي لمدينة 6 أكتوبر!!.
** وكنت أتصور في البداية أن خطاب »نظيف« جاء كرد فعل لما حدث في زيارات الرئيس.. وربما يكون كذلك.. ولكني أتوقف أمام سؤال عن الميزانية المطلوبة للتنفيذ.. وكيف كان »نظيف« سيدبرها.. وكيف كان الحزب سيوافق عليها.. ثم كيف كان كل ذلك يحدث.. وهو ليس في برنامج الرئيس.. مع أنه أهم مشروع تقريباً.. لو كان في البرنامج الرئاسي.. كما أن حيثيات الإلغاء التي أوردها الرئيس.. إنها مجرد خطط.. وقد لا يتم تنفيذها إلا بعد 15 عاماً.. عندما تسمح الظروف..، وعندما يأتي من يعمل علي تنفيذها.. فيستفيد من التخطيط أو يعدله أو حتي يلغيه.. وبعد هذا لا يملك نظيف إلا أن يصمت.. ويصمت معه »الشريف« للأبد!!
أشعر بقلق شديد إزاء ما يجري في دائرة صنع القرار.. علي مستوي الحكومة والحزب والرئيس.. كل يوم يصدر قرار ثم يصدر نقيضه في اليوم التالي.. وأتحدث عن قرار نقل العاصمة.. وبرغم أن الحكومة هي التي اخترعت مشروع نقل العاصمة.. فإن الحكومة أيضاً هي التي شطبته بأستيكه.. ثم عادت إليه مرة أخري.. فألغاه الرئيس في رحلة الإسماعيلية بقرار منه.. وكلام الرئيس قرار جمهوري غير مكتوب.. ولكنه قابل للتنفيذ، فور صدوره، ولا يجرؤ أحد هنا أو هناك علي مخالفته.. وكنت حتي ساعات قليلة مضت أشعر بأن الحلم تحقق،
وأن نقل العاصمة أصبح حقيقة لا تحتمل الشك.. فهناك خطاب من »نظيف«، وهناك إعلان من »الشريف«.. ومانشيت في جريدة »روزاليوسف« الحكومية.. يبشر بأننا سوف ننتقل إلي عصر جديد مع عاصمة جديدة!!
** ومرجع القلق هنا أن الحكومة هي التي قررت ثم أخطرت الحزب عن طريق أمينه العام صفوت الشريف.. في بادرة تدل علي التعاون بين الحكومة والحزب، والتنسيق التام.. وهي إشارة تدل علي أنها لقيت موافقة من القيادة السياسية.. فإذا بكل ذلك ينهار فجأة.. فلا خطاب، ولا إعلان.. ولا أي قرار غير قرار الرئيس.. وقرار الرئيس مع العدالة الاجتماعية في الوقت الراهن.. ومع مساكن الفقراء.. وهو شيء مطلوب.. وإن كان نقل العاصمة أيضاً لا يقل أهمية، بعد أن تحولت القاهرة إلي جراج مفتوح.... وزاد الأمر تعقيداً مع كل زيارة للرئيس.. سواء لمجلس الشعب أو حتي لمدينة 6 أكتوبر!!.
** وكنت أتصور في البداية أن خطاب »نظيف« جاء كرد فعل لما حدث في زيارات الرئيس.. وربما يكون كذلك.. ولكني أتوقف أمام سؤال عن الميزانية المطلوبة للتنفيذ.. وكيف كان »نظيف« سيدبرها.. وكيف كان الحزب سيوافق عليها.. ثم كيف كان كل ذلك يحدث.. وهو ليس في برنامج الرئيس.. مع أنه أهم مشروع تقريباً.. لو كان في البرنامج الرئاسي.. كما أن حيثيات الإلغاء التي أوردها الرئيس.. إنها مجرد خطط.. وقد لا يتم تنفيذها إلا بعد 15 عاماً.. عندما تسمح الظروف..، وعندما يأتي من يعمل علي تنفيذها.. فيستفيد من التخطيط أو يعدله أو حتي يلغيه.. وبعد هذا لا يملك نظيف إلا أن يصمت.. ويصمت معه »الشريف« للأبد!!
لِف وارجع تاني
جمال الشاعر
أصدرت الحكومة قرارا إلي الناس بقانون السير الجديد، المشي للخلف، الناس تمشي للخلف والسيارات تمشي للخلف، حتي إن الأمهات بدأن في تدريب أبنائهن علي السير للخلف منذ مرحلة ما بعد الحبو، مع تعديل في الأغنية الفلكورية «تاتا تاتا خطي العتبة»، لتتحول إلي «تاتا تاتا ارجع عتبة»، وفي مواجهة هذه القرارات القراقوشية ظهرت حركة شعبية اسمها «أصدقاء الطريق»، لكي تعيد الأمور إلي نصابها وإلي المنطق السليم للحياة..
«المشي للخلف» هو عنوان آخر أعمال الأديب فؤاد حجازي، وهو فانتازيا قصصية لكننا نعيشها بشكل أو بآخر في مصر، التي تمشي الحياة فيها للخلف بدلا من أن تتقدم، نعيشها كوميديا سوداوية في الواقع، أيام الملكية كانت لدينا حياة حزبية وتعددية، والملك فاروق كان يعمل ألف حساب للنحاس باشا ووزرائه، وفي مقدمتهم فؤاد سراج الدين، أما نحن الآن فنعيش في زمن العشوائيات، فشلت الحكومات في تقديم تعليم حقيقي فظهر التعليم الموازي والدروس الخصوصية والعشوائيات الفكرية، فشلت الحكومات في التخطيط لشبكات الطرق والمواصلات،
فانحبس الناس في إشارات المرور وظهر «الميكروباظ» والتوك توك، فشلت الحكومات في حل مشكلة الإسكان فتم تبوير الأراضي الزراعية الرائعة، وظهرت الأحياء العشوائية في إمبابة وشق الثعبان وزينهم وقلعة الكبش، فشلت الحكومة في توجيه مدخرات الناس إلي استثمارات اقتصادية، فاتجه المواطن إلي تسقيع الأراضي وشراء الشقق وبيعها، وتحول الشعب المصري إلي شعب من السماسرة والمضاربين، راهنت الحكومات علي اقتصاد السياحة، فانهار الاقتصاد لفترات عدة بسبب عمليات إرهابية أو رصاصات طائشة،
منحت الحكومة تراخيص التليفون للشركات وجمعت المليارات، ولكن المواطن انخرب بيته من فواتير المحمول والأرضي، العشوائيات أصبحت هي الحل حتي إن البعض اقترح إنشاء وزارة للعشوائيات أو وزارتين إحداهما لإدارة الأزمات والأخري للعشوائيات،
خاصة أنه كانت لدينا وزارة اسمها وزارة التخطيط تم إلغاؤها في التشكيل الوزاري الأخير، وهو قرار صائب، لأنها لم تكن تقدم أي خطط استراتيجية لمستقبل مصر، في حين أننا في عصر محمد علي، وفي عصر توفيق كانت لدينا الخطط التوفيقية، وكان لدينا وزير فلاح اجتهد في رؤية علمية ومنهجية لمستقبل مصر.. لماذا تراجعنا؟ لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟!
موريتانيا والسنغال اليوم أصبحتا مثلا يضرب في التوجه نحو الديمقراطية وتداول السلطة، حتي باكستان فيها حراك سياسي حيوي جدا بين بي نظير بوتو والرئيس برويز مشرف، ناهيك عن إيران التي نجح فيها أحمدي نجاد، القادم من المجهول، في الفوز بمنصب الرئاسة في منافسة مع عتويل اسمه رافسنجاني، تركيا تشهد نهضة سياسية واقتصادية طموحة أساسها التنافس وتكافؤ الفرص.. فلسفة بناء الدولة الحديثة الآن هي كما نعلم فلسفة قائمة علي التنافسية، فإذا انتفت التنافسية ضاع جوهر النهضة والحراك والحيوية..
انظر إلي ملاعب كرة القدم، تنافسية حرة بين الأندية واللاعبين والجماهير وشفافية في الحكم، وفي النهاية الكل يرتضي كلام حكم الملعب، وهذا يفسر لك لماذا يقبل الناس علي العضوية في الأندية الرياضية والحماس والتشجيع بكل جوارحهم، بينما لا يقبلون علي ملاعب السياسة في مصر، التي تفتقد أهم عنصرين: التنافسية والشفافية اللذين بدونهما سوف نجد مصر تواصل المشي للخلف، وكلما تقدمنا خطوة.. جاءنا هاتف يقول: «لِف وارجع تاني».
أصدرت الحكومة قرارا إلي الناس بقانون السير الجديد، المشي للخلف، الناس تمشي للخلف والسيارات تمشي للخلف، حتي إن الأمهات بدأن في تدريب أبنائهن علي السير للخلف منذ مرحلة ما بعد الحبو، مع تعديل في الأغنية الفلكورية «تاتا تاتا خطي العتبة»، لتتحول إلي «تاتا تاتا ارجع عتبة»، وفي مواجهة هذه القرارات القراقوشية ظهرت حركة شعبية اسمها «أصدقاء الطريق»، لكي تعيد الأمور إلي نصابها وإلي المنطق السليم للحياة..
«المشي للخلف» هو عنوان آخر أعمال الأديب فؤاد حجازي، وهو فانتازيا قصصية لكننا نعيشها بشكل أو بآخر في مصر، التي تمشي الحياة فيها للخلف بدلا من أن تتقدم، نعيشها كوميديا سوداوية في الواقع، أيام الملكية كانت لدينا حياة حزبية وتعددية، والملك فاروق كان يعمل ألف حساب للنحاس باشا ووزرائه، وفي مقدمتهم فؤاد سراج الدين، أما نحن الآن فنعيش في زمن العشوائيات، فشلت الحكومات في تقديم تعليم حقيقي فظهر التعليم الموازي والدروس الخصوصية والعشوائيات الفكرية، فشلت الحكومات في التخطيط لشبكات الطرق والمواصلات،
فانحبس الناس في إشارات المرور وظهر «الميكروباظ» والتوك توك، فشلت الحكومات في حل مشكلة الإسكان فتم تبوير الأراضي الزراعية الرائعة، وظهرت الأحياء العشوائية في إمبابة وشق الثعبان وزينهم وقلعة الكبش، فشلت الحكومة في توجيه مدخرات الناس إلي استثمارات اقتصادية، فاتجه المواطن إلي تسقيع الأراضي وشراء الشقق وبيعها، وتحول الشعب المصري إلي شعب من السماسرة والمضاربين، راهنت الحكومات علي اقتصاد السياحة، فانهار الاقتصاد لفترات عدة بسبب عمليات إرهابية أو رصاصات طائشة،
منحت الحكومة تراخيص التليفون للشركات وجمعت المليارات، ولكن المواطن انخرب بيته من فواتير المحمول والأرضي، العشوائيات أصبحت هي الحل حتي إن البعض اقترح إنشاء وزارة للعشوائيات أو وزارتين إحداهما لإدارة الأزمات والأخري للعشوائيات،
خاصة أنه كانت لدينا وزارة اسمها وزارة التخطيط تم إلغاؤها في التشكيل الوزاري الأخير، وهو قرار صائب، لأنها لم تكن تقدم أي خطط استراتيجية لمستقبل مصر، في حين أننا في عصر محمد علي، وفي عصر توفيق كانت لدينا الخطط التوفيقية، وكان لدينا وزير فلاح اجتهد في رؤية علمية ومنهجية لمستقبل مصر.. لماذا تراجعنا؟ لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟!
موريتانيا والسنغال اليوم أصبحتا مثلا يضرب في التوجه نحو الديمقراطية وتداول السلطة، حتي باكستان فيها حراك سياسي حيوي جدا بين بي نظير بوتو والرئيس برويز مشرف، ناهيك عن إيران التي نجح فيها أحمدي نجاد، القادم من المجهول، في الفوز بمنصب الرئاسة في منافسة مع عتويل اسمه رافسنجاني، تركيا تشهد نهضة سياسية واقتصادية طموحة أساسها التنافس وتكافؤ الفرص.. فلسفة بناء الدولة الحديثة الآن هي كما نعلم فلسفة قائمة علي التنافسية، فإذا انتفت التنافسية ضاع جوهر النهضة والحراك والحيوية..
انظر إلي ملاعب كرة القدم، تنافسية حرة بين الأندية واللاعبين والجماهير وشفافية في الحكم، وفي النهاية الكل يرتضي كلام حكم الملعب، وهذا يفسر لك لماذا يقبل الناس علي العضوية في الأندية الرياضية والحماس والتشجيع بكل جوارحهم، بينما لا يقبلون علي ملاعب السياسة في مصر، التي تفتقد أهم عنصرين: التنافسية والشفافية اللذين بدونهما سوف نجد مصر تواصل المشي للخلف، وكلما تقدمنا خطوة.. جاءنا هاتف يقول: «لِف وارجع تاني».
Monday, November 19, 2007
عصر سرور النووي
على السيد
تعجبني مهارة الدكتور فتحي سرور في إدارة جلسات مجلس الشعب، وتدهشني قدرته علي جر الحقائق في الاتجاه الذي تريده الدولة، لكني أتوقف بكثير من التعجب أمام مقولاته التي لا تستقيم مع علمه وجلال منصبه. فالدكتور سرور القائل إن التعليم المصري فاشل، دون أن يدلنا علي كيفية أن يكون غير ذلك، وهو نفسه القائل أيضاً وقبل أيام، إن جميع النواب يباركون دخول مصر العصر النووي. قالها أمام رئيس الدولة، وكأن قراراً رئاسياً بإنشاء محطة نووية للأغراض السلمية يعني أننا دخلنا فعلياً إلي العصر النووي، وأصبحنا نقف رأساً برأس مع البلدان النووية، بفارق بسيط، وهو أننا اخترنا الشق السلمي الذي نعض عليه بالنواجذ.
وإذا كانت تلك العبارة المرسلة والفضفاضة تناسب موظفاً في الحكومة فإنها لا تليق برئيس برلمان ولا تتماشي مع دوره الرقابي والتشريعي، خصوصاً في موضوع يحمل الكثير من الغموض والتضارب، ومثلما نقرأ ونسمع عن مباركي المشروع نقرأ ونري الكثير من معارضي المشروع، ما يدل علي أن هناك ضبابية تلف الموضوع، وغشاوة تحتاج لمن يكشفها.
وليس غير البرلمان جهة يمكن أن تفعل ذلك، وبما أننا نتحدث عن مشروع سلمي، فلابد من مناقشته بجدية داخل أروقة البرلمان وتحت قبته، بما يزيح الغشاوة عن عيون الناس، وليس الترحيب والتأييد والتهليل والتصفيق، وإطلاق الشعارات والعبارات التي تنتهي بانتهاء اللحظة، وتدفعنا للتشكك في مشروع وطني كبير، إذ ليس صحيحاً أن مصر دخلت العصر النووي، ولن تدخله إلا إذا تم إنشاء محطة نووية. فالنية لا تصنع شيئاً، والأمل لا يعني النجاح، فنحن مازلنا غير قادرين علي اختيار المكان المناسب لإقامة المحطة، فكيف نكون من النوويين، وهكذا نفعل مثل الرجل الذي يسأل عن سعر طن الحديد ليشتري إبرة.
كنت أتمني أن يقول، سيد التشريع، كلاماً مغايراً وجديداً في تلك المناسبة، كلاماً لا يخرج به بعيداً عن دوره، ولا يضعه في مقعد غير ما يشغله، فما ينطق به يؤرشف ويوثق ويؤخذ به، كنت أتمني أن يقول إن المجلس اتخذ قراراً بتشكيل لجنة عليا تستعين بكل من تراه مناسباً لهذا الأمر من علماء وخبراء، من المؤيدين والمعارضين علي السواء، لاستجلاء الأمر واتخاذ ما يلزم من قرارات تدعم المشروع وتأخذ به إلي طريق النجاح.
كنت أتمني أن يأتي المجلس برئيس هيئة الطاقة النووية ويسأله: ماذا تريد من تشريعات تسهل لكم الحصول علي ما تريدون دون أن تمروا بعقبة القوانين الحالية، أو بجبال وهضاب الروتين؟. ما القوة التي تحتاجونها لكي تكون لكم الكلمة الفصل، ولا تجعلكم مجرد أداة في يد الحكومة تباهي بها إلي حين؟ ما التشريعات التي تناسبكم وتجعلكم أصحاب القرار الأول والأخير في اختيار الموقع أو الجهات التي تريدون التعامل معها؟ هل تحتاجون إلي هيكل مالي جديد؟ كيف نحمي صغاركم من الغواية؟ كيف نجعل عقولهم وقلوبهم خالصة للوطن؟ ما الوسائل التي تمكنكم من إنجاز المشروع في أسرع وقت وبأنجح طريقة؟ أو أن يجيء المجلس بأهل الاختصاص ليقولوا رأيهم بحيادية وشفافية عن جدوي المشروع وأهميته.
كنت أتمني أن يعلن رئيس البرلمان أن هذا الموضوع سيأخذ الكثير من وقت وجهد المجلس في الدورة الحالية، وأن قرار مصر العمل في هذا المشروع يستلزمه قوانين وتشريعات تدعمه وتسهل له طرق النجاح والتحقق، خصوصاً أننا لم نكن أصحاب تجربة سابقة في هذا المجال، فالأمر، يقيناً يحتاج لتشريعات تنقل مصر من مرحلة الأفكار والأحلام ثم مرحلة القرار، إلي مرحلة الفعل والتنفيذ والتحقق علي أرض الواقع.
كنت أتمني، وبعض التمني يتحقق، أن نسمع من الدكتور سرور ما يثلج الفؤاد وما يقر العين، وليس مجرد كلام احتفالي لا يناسب المكان ولا يليق بالحدث.
آخر سطر:
قال الإمام الشافعي:
احفظ لشيبك من عيب يدنسه
إن البياض قليل الحمل للدنس
كحامل لثياب الناس يغسلها
وثوبه غارق في الرجس والنجس
تعجبني مهارة الدكتور فتحي سرور في إدارة جلسات مجلس الشعب، وتدهشني قدرته علي جر الحقائق في الاتجاه الذي تريده الدولة، لكني أتوقف بكثير من التعجب أمام مقولاته التي لا تستقيم مع علمه وجلال منصبه. فالدكتور سرور القائل إن التعليم المصري فاشل، دون أن يدلنا علي كيفية أن يكون غير ذلك، وهو نفسه القائل أيضاً وقبل أيام، إن جميع النواب يباركون دخول مصر العصر النووي. قالها أمام رئيس الدولة، وكأن قراراً رئاسياً بإنشاء محطة نووية للأغراض السلمية يعني أننا دخلنا فعلياً إلي العصر النووي، وأصبحنا نقف رأساً برأس مع البلدان النووية، بفارق بسيط، وهو أننا اخترنا الشق السلمي الذي نعض عليه بالنواجذ.
وإذا كانت تلك العبارة المرسلة والفضفاضة تناسب موظفاً في الحكومة فإنها لا تليق برئيس برلمان ولا تتماشي مع دوره الرقابي والتشريعي، خصوصاً في موضوع يحمل الكثير من الغموض والتضارب، ومثلما نقرأ ونسمع عن مباركي المشروع نقرأ ونري الكثير من معارضي المشروع، ما يدل علي أن هناك ضبابية تلف الموضوع، وغشاوة تحتاج لمن يكشفها.
وليس غير البرلمان جهة يمكن أن تفعل ذلك، وبما أننا نتحدث عن مشروع سلمي، فلابد من مناقشته بجدية داخل أروقة البرلمان وتحت قبته، بما يزيح الغشاوة عن عيون الناس، وليس الترحيب والتأييد والتهليل والتصفيق، وإطلاق الشعارات والعبارات التي تنتهي بانتهاء اللحظة، وتدفعنا للتشكك في مشروع وطني كبير، إذ ليس صحيحاً أن مصر دخلت العصر النووي، ولن تدخله إلا إذا تم إنشاء محطة نووية. فالنية لا تصنع شيئاً، والأمل لا يعني النجاح، فنحن مازلنا غير قادرين علي اختيار المكان المناسب لإقامة المحطة، فكيف نكون من النوويين، وهكذا نفعل مثل الرجل الذي يسأل عن سعر طن الحديد ليشتري إبرة.
كنت أتمني أن يقول، سيد التشريع، كلاماً مغايراً وجديداً في تلك المناسبة، كلاماً لا يخرج به بعيداً عن دوره، ولا يضعه في مقعد غير ما يشغله، فما ينطق به يؤرشف ويوثق ويؤخذ به، كنت أتمني أن يقول إن المجلس اتخذ قراراً بتشكيل لجنة عليا تستعين بكل من تراه مناسباً لهذا الأمر من علماء وخبراء، من المؤيدين والمعارضين علي السواء، لاستجلاء الأمر واتخاذ ما يلزم من قرارات تدعم المشروع وتأخذ به إلي طريق النجاح.
كنت أتمني أن يأتي المجلس برئيس هيئة الطاقة النووية ويسأله: ماذا تريد من تشريعات تسهل لكم الحصول علي ما تريدون دون أن تمروا بعقبة القوانين الحالية، أو بجبال وهضاب الروتين؟. ما القوة التي تحتاجونها لكي تكون لكم الكلمة الفصل، ولا تجعلكم مجرد أداة في يد الحكومة تباهي بها إلي حين؟ ما التشريعات التي تناسبكم وتجعلكم أصحاب القرار الأول والأخير في اختيار الموقع أو الجهات التي تريدون التعامل معها؟ هل تحتاجون إلي هيكل مالي جديد؟ كيف نحمي صغاركم من الغواية؟ كيف نجعل عقولهم وقلوبهم خالصة للوطن؟ ما الوسائل التي تمكنكم من إنجاز المشروع في أسرع وقت وبأنجح طريقة؟ أو أن يجيء المجلس بأهل الاختصاص ليقولوا رأيهم بحيادية وشفافية عن جدوي المشروع وأهميته.
كنت أتمني أن يعلن رئيس البرلمان أن هذا الموضوع سيأخذ الكثير من وقت وجهد المجلس في الدورة الحالية، وأن قرار مصر العمل في هذا المشروع يستلزمه قوانين وتشريعات تدعمه وتسهل له طرق النجاح والتحقق، خصوصاً أننا لم نكن أصحاب تجربة سابقة في هذا المجال، فالأمر، يقيناً يحتاج لتشريعات تنقل مصر من مرحلة الأفكار والأحلام ثم مرحلة القرار، إلي مرحلة الفعل والتنفيذ والتحقق علي أرض الواقع.
كنت أتمني، وبعض التمني يتحقق، أن نسمع من الدكتور سرور ما يثلج الفؤاد وما يقر العين، وليس مجرد كلام احتفالي لا يناسب المكان ولا يليق بالحدث.
آخر سطر:
قال الإمام الشافعي:
احفظ لشيبك من عيب يدنسه
إن البياض قليل الحمل للدنس
كحامل لثياب الناس يغسلها
وثوبه غارق في الرجس والنجس
Subscribe to:
Posts (Atom)
